الناقد الدكتور ناظم حمد السويداوي
تتنفس نصوص الشاعرة (ثائرة اكرم) في فضاء مليء بألوان الفراشات والمتخم بالكثير من العلامات المشبعة بكينونة المغايرة المهيأة دائما للانفلات من سطوة (الاخر) وتحويل وجهة نظر (الأنا) الى أكثر من اتجاه، سعياً الى خلق صورة ذهنية للقارئ،تسمح له ان يفك شَفرة القصيدة، وهو المعني بهذا الوعي.
ويبقى الرد المتعالي الذي تحتفي به الشاعرة، واحدا من حالات الإنبهار التي تضع له اجوبة مسبقة بمعرفة يقينية ثابتة، لذلك اصبح عملها الإبداعي يتمحور حول مشكلة تطابق رسائلها المبثوثة مع الأخر من جهة، والباعث الذاتي من جهة أخرى. بمعنى أنها لم تفلح بإلغاء ثنائية الذات /الموضوع، وبات عليها ان تقيم علاقة معرفية معهما بإدراك باطني للحاضر والمستقبل، الأمر الذي يشي بظهور علائق جديدة يتخللها الوعي على إسترجاع الماضي ونبش كل ماهو مخزون في الذاكرة لمقايضتة بالحاضر، ولايتم ذلك إلا بفلسفة خاصة تتبعها الشاعرة بفعل قصدي موجه الى شيء ما، وهو شيء ملموس قد أدركته، إذ لايمكن إنجاز عملية الشعور أو إدراكه تلقائيا دون وجود الشيء المدرك ، وهي صفة جوهرية لاتعني بالتأكيد علاقة بين عالمين متباعدين، بقدر ماتعني علاقة بين عالمين ملتصقين ببعض، لكنهما عالمان محملان بالأحساس الصادق بمعرفة الماهيات التي لم ولن تتحقق إلا بمعرفة طابعها الثنائي بين الأنا والآخر.
ولاشك في ان هذه القراءة القصدية هي قراءة ذاتية أُتيح لها الكثير من التجلي في فضاء الآخر المعطر بالكثير من الدهشة بإيقاع سيمفوني جميل يتلاشى من كل شيء إلا تلك الذاكرة المُشبعة بذلك العناق الصوفي بين شَيئين يمتلكان خفقة واحدة بقلب واحد. وهذا ماذهبت إليه الشاعرة في أغلب قصائدها المتماهية مع مساحات الفعل الشعري، وهو يسهم في تكوين هوية الأنا التي تؤسس لفعل خلاق بمقومات شعرية جديدة قد لاتتوافر دائما إلا اذا كان الأخر خارج دائرة الممنوع:
ذلك هو
كأنه قطعة اثرية نادرة
أخاف سقوطها من يديّ
فتنكسر
وينكسر قلبي معها
....
تلك العيون أحَبَّها
أَبكاها وأَضحكها
وكل فصولي اختلفت
في حضرته
فشتائي دِفيءٌ
وصيفي نسمات باردة
وربيعي فراشات شاردة
يتطاير رذاذ الكلمات
من شَفتيه عندما يتكلم
كأنها مِسك وعبير
هنا يتحول الفعل (أخاف) الى فضاء حكائي مليء برهبة شديدة من الخوف على شيء ثمين لاتريد الذات فقدانه، وهي التي تسعى الى الاحتفاظ به بأنسنة تشخيصية عميقة المعنى (كأنه قطعة أثرية نادرة) وهذا يكفي لإلتقاط شفرة الحياة والخوف من مجهول آت (أخاف سقوطها من يدي) وربما تكون هذه الممارسة القاسية التي تفكر بها الشاعرة، هي التي تحجب رؤية الاشياء وتعمق جروح الحكاية أكثر عندما تأتي بالفعل (فتنكسر) ،لتجعل من دلالة فعل الإنكسار وإيحاءاته عبارة عن تموج دلالي رمزي، يقود القاريء الى ترقب المشهد الى الدرجة التي يتحول بها فعل الانكسار الى خوف ذاتي لايُراد له الحصول، لكنَّ الذات تنتهي لتشبعَ حكاياتها بشيء من الترقب، ويحصل هذا عندما نتابع تفاصيل الصورة كاملة وهي تشتغل على آلية السر، ليصبح كل شيء عندها عبارة عن تجليات وصفية تؤثث لفضاءات المشهد على مساحة الفعل الشعري من خلال الأعتراف الأنوي بالإنتماء الى الآخر على النحو الذي يمنح كل شيء هوية خاصة به (تلك العيون أحبها ...وكل فصولي أختلفت في حضرته ...)وهذا التماهي مع الآخر سرعان مايتحول الى وجود ذهني عالقا في الذات لايمكن الفِكاك منه بسهولة، لأنه تحول الى كل فصول السنة المحملة بكل هذا الأمتداد والعمق والأنفتاح على شيء تريد الذات امتلاكه
ولأن الشاعرة قادرة على التحريض، لكونها أصبحت في مرمى الزمن، ولأنها تخاف من المجهول، فمن الطبيعي جدا اان تمارس طقوس التجلي والتخفي في آن واحد وباتت الأمنيات التي ترسمها على خارطة الآخر عبارة عن حركة تحويلية تفتح الأفق لتاويل جديد، الهدف منه هو ، اكتشاف ماهو مخبوء في الذاكرة لآضاءة الزمن الآفل:
مَن أَنت ؟
لتخترقني
وتنفض الحزن بداخلي
لهذا الحد
مَن أنت؟
لتجمع فراشاتي
وتمنحها لون الوَرد
مَن أنت؟
لتصطاد الكلمات من شفاهي
وتخترق قواميسي
وتهدم جدار الصمت
....
هكذا تستدعي الشاعرة كل هذه التفاصيل المحكومة بالكثير من الأسئلة والأشارات المرجعية المتسلّلة، عبر فجوة صغيرة الى الآخر المختفي في طيات القلب، وكل هذا لايتجاوز اللحظات المأزومة التي تمر بها الذات، لذلك نلحظ ان حركة الانتقال بين الفعل (لتخترقني) وبين الفعل (وتنفض) عبارة عن معرفة إستبطانية كُتب لها النجاح لكنها محفوفة بالكثير من الإنشطار الداخلي الجامع لخيوط الماضي الأليم للشاعرة ومثل. هذا التنقل في التفكير هو الذي يخلق المناخ الموروث بكل هذه الهالة من الإهتمام، ويحدث هذا كلما لجأت الشاعرة الى رصد الأحاسيس العالقة في الزمن الآفل بكل دقة، لتسقطها على مساحة مفتوحة بلقطات شعرية خاطفة، القصد منها هو توليد المعاني بما يسمح للخيال بالعبور الى منطقة اكثر أمناً، بعيداً عن الانكسار:
تعودتَ ان تلهو
تلعب وتعود
متى شئت
وكيفما تشاء
مطمئناً أنني سأكون بأنتظارك
لأحتويك
لأرضيك
إن تسخير المشهد بهذه الكيفية التي ترسم تفاصيلها الشاعرة، ماهي إلا مدلولات تجمع بين طرفين يريدان ان يلتقيان ويأخذ كل منهما بطرف الخيط، لكن المفارقة تكمن بهذا البوح الذي يحتفي به الآخر، الامر الذي يجعل من دائرة الإتصال خارج حدود الإنفصال: (مطمئناً أني سأكون بأنتظارك) ومثل هذا الإنزياح المشفّر هو الذي يغذي القصيدة ويجعلها اكثر تقبلا عند المتلقي، لان الشاعرة تفتح ماهو مغلق وتقرب الاخر كلما ابتعد عنها بحيث يغدو الانفتاح ضرورة من ضروريات الترقب كلما ضاق الامر بالذات وحقيقة الامر كله ان الشاعرة تبحث عن شيء مفقود هارب منها، لتصل في النهاية الى طريق لايدلها على النفق الذي تريد.
ولان الشعر يستجيب دائما لما هو داخل اطار الانفتاح، راحت الشاعرة تفتش عمن يوثق زمنها الذي تعيش، لكنها تفشل دائما في هذا ظناً منها ان اكتشاف هوية الآخر باتت في غاية الصعوبة ،وكأنها كلما خرجت من أزمة، دخلت في أخرى، ولكي تستثمر كل هذا التفاعل في البوح ضمن إطار إشباع حاجاتها، بدات تفتش عن وطن يحتوي أحلامها الكبيرة:
متى يكتمل نمو جنينك؟
في أحشائك ياوطني المسكين
متى نرى وليدك
كاملا معافى بين عينيك
فوق نهديك
متى تشرق شمس اليقين
ليل الظلام
.....
فويل للظالمين
يبدو واضحاً، ان المرجعية الحية للوطن، هي التي تستثير الذات، وتحول الافكار من قوانين الخلق والابتكار الى قوانين الحب لهذا الوطن بكينونة واعية ترتكز على مجموعة من الاسئلة المثيرة للإنتباه، لتحيلنا على جغرافية الاتصال بين الذات والوطن، ولعل في تسلسل الأفعال: (يكتمل..نرى ..تشرق)مايشير الى هيكلية المتبصّر بالامور، العارف بكل تفاصيلها، مايعني أن إختزال كل هذه التفاصيل وتوظيفها لصالح الوطن المفقود، لم يكن ليحصل لولا أن الشاعرة أدركت أن الأمور قد بلغت حدا لايطاق.
الى هنا نقول ونحن نعاين قصائد الشاعرة التي تجاوزت الستين قصيدة، إن صناعتها المبهرة، وصياغتها اللافتة في التعبير، هي التي تدفع القاريء ان يتحلى بنشوة روحية تستجيب لمتطلبات الموقف، فما كان منها إلا تجملت بدوافع جمالية إنصهرت كلها في محيط ذاتها المرصوفة بدهشة القول، وأنتجت لنا عينات ثقافية بمفاهيم معلنة ومضمرة استقرت في وجداننا المليء بتكسرات الزمن.

0 تعليقات
إرسال تعليق