الأديبة الجزائريةسحر القوافي
قطعت المعلمة ألسنتنا عندما كتبت : إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب..ثم ختمت على كتم أصواتنا وهي تخطط : الصبر مفتاح الفرج..
تلك الحكمة البلهاء التي بصمت على شهادات وفاتنا ولم نكن حينها نعي أن الكلمة تستحيل مع مرور الوقت جريمة نكراء وإعصارا يطحننا ويذرونا كالهشيم..
لم تكن معلمتنا الطيبة تتوقع أن الحكمة الحمقاء رحى في عقولنا الصغيرة وسيف يقطع رقابنا وباغ يذلنا ويقيدنا بالأصفاد المدماة وسعير ترمد أعمارنا وأرواحنا.. وجبار عنيد يستوطن أرضنا..تلك الأسطورة المشوهة دهياء مظلمة زعزعت إيماننا بالحرية والمجد والحياة.. وفي رعونة وعربدة حاولت اقتلاعنا من جذورنا فصرنا مشردين في ديارنا.. نفتش عن وطن في وطننا وعن اسم لنا.. ورسم يعيد إلينا ذاكرتنا المنسية..
لقد أرادت المعلمة أن تشعل شمعة في دهاليز أعماقنا ولكننا كنا أطفالا فلم يكن في وسعنا إدراك مغزى حكمتها، فدمرتنا.. شوهت عقولنا الفتية ومن يومها ونحن نضرب خبط عشواء من تصب في صمت مريع وصبر صموت..
علت سياط الجلاد من دمي ثم ألقاني في غيابات السجن،غير أني تحملت الأوجاع في صمت وأسررت في نفسي : الصبر مفتاح الفرج وإلى يومنا هذا مازلت مهترئة في زنزانة القهر والهوان الفولاذية ولم أجد المفتاح لأخرج منها..
ولج الخارب الجشع داري وسطا على كل ما فيها.. حتى المصابيح اقتلعها.. تركها خاوية على عروشها غارقة في العتمة.. بكيت وحمدت الله على سلامتي في صمت..
استباح الجبان الغاشم عرض أمي وشرف خالتي.. اغتصب الحرائر باسم الإرهاب والشرائع وتحت ذرائع شتى.. ذرفت العبرات وأوصدت جميع المنافذ والأبواب وسلحتها بالفولاذ.. فأمست سجنا جديدا.. ثم حمدت الله على سلامتي في صمت..
صادر المارد المارق حريتي بموجب قرار جائر بعدما كسر قلمي وأحرق جميع دفاتري وخواطري.. مددت له يدي مذعنة ليغلها بالأصفاد وغرقت بعدها في دوامة التفكير الصامت تهزني مشاعري.. وكلما كبرت أكثر ودارت عجلة الزمن أوغلت في غياهب الصمت المتجمدة الذي اتسعت مساحته في داخلي وازداد حجمه يثقل كاهلي.. لقد خيم على كل شيء وأصبح الٱمر الناهي واستنسخ نفسه في أشكال هلامية وألوان متحركة.. واتخذ لنفسه أقنعة ووجوها.. السلطان والقاضي والسجان والحاكم والغول وسربروس والخوف والقاتل والجان والشيطان..
صار الصمت يحكمنا باسم الدين والتشريع والقوانين والدساتير والإرث والحكمة والعرف ..وباسم الجميع..
يكمم الأفواه..يكبل الأيدي.. يهيمن على القلوب ويقبض الأرواح إنه الطاغية الجبار والسم الناقع يسري في الأوردة والشريان ويتغلغل إلى الأفئدة.. غصة في حلوقنا وكمد في صدورنا.. نسلمه رقابنا في خضوع ودونما ضجيج أو شكوى أو تجريم ليخنقنا كأنه قدرنا المحتوم..
تناثرت ضحاياه في كل الشوارع والمدن والزوايا والبيوت ..
كانت معلمتي ٱخرهم ..خنقها الصمت عندما خرجت إلى الشارع تنوي التمرد عليه وتحديه أرادت أن تصرخ في وجهه لما أخذ يهددها بقطع أنفاسها.. ومن قبل سرق حياتها والسلام والحب منها.. وكل شيء جميل.. ربته بيديها وزرعته فينا فلم يعد يبرحها أو ينام.. أزهق أحلامها وروحها ومضى في صمت غير مهتم.. وفي يوم جنازتها أرسل لنا الصبر ليواسينا في صمت.. ثم دفنت معلمتي في مقابر السلوان..
هاج تلاميذها وارتاعوا من أن تمتد إلى رقابهم خناجره..فحلقة ضحايا مشنقته القائمة متواصلة ..حاولوا عصيانه ومواجهته والخروج عن طوعه والإفلات من ضلال متاهته.. تدفقوا كالسيل الجارف يعلنون العصيان في الشوارع والزوايا والصحف والروايات.. أرادوا كسر شوكته التي تنغرز في الأفئدة وتنحر الرقاب وتنخر الخواطر دون هوادة.. فوجدوه قد رسخ حكمته في كل شيء حولهم؛على الجدران والأرصفة والأرواح والوجوه والأعين والألسن والأيدي فتهافت صراخهم في غياهبه المعتمة وتلاشى في صمت من غير صدى..
سخر من الجميع ذاك المتسلط الفظيع.. أمسك الرشاش وأطلق عليهم وابل الردى في صمت.. وفي صمت رماهم في القبور، وضع في أيد منهم الأغلال والقاهم في قلاعه العتيدة..
وما زلنا في متاهة الصمت نصرخ في صمت ..
وما زلنا نردد الحكمة البلهاء إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب لنحيا في صمت ونسأل الله في السماء السلامة والنجاة..

0 تعليقات
إرسال تعليق