عبد الحميد الصائح

 

لا يوجد قانون اسمه قانون رفحاء ، يوجد قانون شرع عام 2006 خاص بالسجناء السياسيين منشور ومفصل ويمكن الرجوع الى نسخته الاولى قبل التعديلات، بعيداً عن ذلك كانت هناك  مطالبات من العراقيين الذين كانوا محتجزين في مخيم رفحاء  وهم شريحة من المنتفضين ضد النظام السابق عام 1991  بعد انتهاء حرب تحرير الكويت ،  وعبارة (بعد انتهاء الحرب) مهمة هنا وتعني الكثير ، تعني انهم لم يخونوا وطنهم اثناء الحرب ويستغلوا انشغال النظام بها ليثورا عليه ، بل ثاروا  بعدها انصافا للوطن  الجريح ولشهدائه وقالوا لا وكفى بعد ما حصل ، فتعرضوا الى اقسى ما يمكن ان يحدث لمتمردين في العالم ودفن اغلبهم احياء في مقابر لم يتم اكتشافها جميعها حتى اليوم . هربوا بعد قمع الانتفاضة الى معسكر وفرته لهم قوات التحالف في المملكة العربية السعودية، ضمت هذه الشريحة وجهاء من كبار القوم شيوخ عشائر وعسكريين هم وعوائلهم وشباب حملوا السلاح بعد انتهاء الحرب غير المتكافئة التي زج النظام السابق العراق فيها بعد غزوه الكويت دون حسابات سياسية وعسكرية صحيحة، كما ضم عدداً من الفنانين والادباء المعارضين للنظام الذين وجدوا في ثغرة الوصول الى المخيم فرصة للهروب من العراق الذي يعيش اوضاعا مأساوية بعد الحرب وقبلها وخلالها. تبنتهم الامم المتحدة في برنامج  توطين جماعي لم يكتمل حتى حرب 2003 حيث عاد من المخيم مباشرة الاف المحتجزين.  ، لم تكن الرغبة بالتوطين خيار الجميع   ، فقد رفض بعضهم ذلك ، وقد سمعت شخصيا  من الشيخ الشهيد كاظم الريسان الذي التقيته عام 1992  خارج المعسكر حيث قال :  انا انتفضت حتى احرر العراق من صدام يرسلوني الى امريكا لو هولندا!!! ، مستحيل اروح شسوي هناك؟ ، ومعه على هذا الراي اكثر من اربعمئة من عشيرته والمناصرين له ، لكن قرار الامم المتحدة بالتوطين بالاتفاق مع السعودية التي ضاقت بالمحتجزين لديها لم يكن خيارا شخصيا وكانت الجداول ملزمة للجميع ، عدا شرط الريسان الذي طالب بان يصطحب الموالين له الى اي مكان يذهب اليه ،  مقابل ذلك هناك من  كان يأمل بالخلاص من المعسكر بأي طريقة والى اي دولة . عموما هذا الامر كتبت عنه في مواقف عدة وهو موثق لدى الكثير

المطالبات المشروعة من بداية سقوط النظام كانت تنحصر بإنصاف هذه الشريحة التي سحقتها السنوات وخسرت كل ما لديها وبعض افرادها دفعوا آباءهم واخوتهم شهداء في تلك الانتفاضة الوطنية التي قمعتها امريكا وصدام في تواطؤ واضح خلال الايام الاخيرة التي اعقبت نهاية الحرب على العراق. ليبقى صدام في الحكم مقيدا مع حصار جائر اهلك العراق وشعبه وبقيت اثاره الاقتصادية والاجتماعية الى زمن ليس قصيرا

هذا المطالبات، تم تبنيها بعد مرور ست سنوات من اقرار قانون السجناء، لكن الاخوة الذين تبنوا المطالب تلك، لم يكلفوا أنفسهم بإصدار قانون خاص بمحتجزي رفحاء يلائم ظروفهم، استسهلوا الامر وطبقوا عليهم قانون السجناء السياسيين !!، ولذلك حدثت التباسات بين السجين والمحتجز في التفسير والغطاء القانوني مثلا:

في تعريف السجين: ان كل من يولد في السجن فهو سجين، وهذه حالات نادرة جدا تحصل في السجن، كذلك فان السجين غالبا ما يكون فردا من عائلة وان التزاوج والانجاب داخل السجن امر نادر، وهذا مختلف تماما عن مجتمع رفحاء الذي نزحت له عوائل كاملة وتزاوج بعضها وأنجب هناك، ولذلك حصل ان عائلة واحدة تتمتع برواتب تقاعدية لجميع افرادها ومن ولدوا لها داخل المخيم وهو ما بدى للمجتمع أمراً مثيراً. وان الاستحقاق الذي اُلحِق محتجزو رفحاء بفعله مع قانون السجناء السياسيين الذي شمل شرائح كثيرة لا يتحدث بها أحد، كانت ذا إثر رجعي فرتب تعويضات للسنوات التي خلت منذ اقرار القانون عام 2006.

وعليه لا ذنب لمحتجزي رفحاء في ان الدولة ومجلس النواب في حينه ولجانه القانونية والطبقة السياسية السياسية تكاسلوا جميعا ولم ينتبه أحد الى الحالة الاستثنائية التي دخلت على قانون غير مفصل على محتجزي رفحاء، لترمى الكرة في وجوههم ويصبحوا مطالبين بإرشاد الدولة وتصحيح قضائه وغفلتها واجراءاتها المتسرعة ويقوموا بالتنازل عن هبات تمنحها دولتهم لهم بفعل ذلك!!!!! فتألب الرأي العام ضدهم، بل ان بعض المغرضين استغل هذا الامر لكي يصفي حسابات اخرى مع ثورتهم وشهدائهم وتضحياتهم. نعم حتى الذين هاجروا في ظروف اللجوء القاسية، وحتى ابناؤهم من الجيل الثاني او الثالث الذين يدعي البعض عدم اجادتهم اللغة او يشير الى اهتمامات لهم خاصة داخل المجتمع الغربي، فبدل ان يصفهم بالضحايا ضحايا فقدان الوطن والهوية، اعتبرهم جناة ومنغمسين في الملذات على حساب معاناة الاخرين، في مستوى وضيع من الثلم والسب لأناس اصلاء من مناطق ذات قيم وتقاليد يعرفها المجتمع العراقي جيداً

ليس من العدل الاساءة الى هذه الشريحة بأية صورة كانت، كما ان ليس من العدل ان تدفعهم الدولة ليكونوا اعداء لها وهم الذين رحبوا بتحولها حتى قبل اقرار القانون وشمولهم به، فضلا عن أن الكثير من ابناء رفحاء أنفسهم يأخذون على القانون بعض الغلو والمبالغة بل ان   منهم من رفض تسلم الهبات المذكورة نهائيا لعدم حاجته اليها، الى ذلك على الدولة ان تدرس تعديلا لقانون السجناء الاساسي وليس استهداف ثوار رفحاء الذين ألحقوا بالقانون فقط، وهو واجب الدولة ولا يعني دفع ثمن للكفاح والنضال كما يروّج!!  بل لحفظ كرامة ابنائها كما تفعل الدول الغريبة التي لجأوا اليها وهي تمنحهم المال والامان الى حين، أخيرا على  الحكومة  معالجة هذا الموضوع بعناية ، ان تصل الى قياس معقول يحفظ للأسرة كرامتها وولاءها ، كي لا يتم ارتكاب الجناية في الحالتين ، وان يُحفَظْ لهؤلاء ولأبنائهم شرف ثورتهم وتاريخهم ، كما اتمنى على الذين يطلق عليهم بالرفحاويين  ان يظلوا فرسانا في المطالبة بحقوقهم ، بعيدا عن حالات الانفعال العشوائي الذي يقلب حقهم باطلا ويدعم آراء المتربصين بتاريخهم وحقوقهم وصفاتهم العشائرية الرصينة، فهؤلاء ضدهم  سواء أخذوا هذه الامتيازات ام لم يأخذوها.