حسن راسم محمد


قال النبي عليه الصلاة والسلام:((إن أبغض الحلال عند الله الطلاق))


إن موضوع الطلاق أصبح من المواضيع المنتشرة في البلدان العربية عموما وفي العراق بصورة أكبر حيث تشير الإحصاءات والدراسات الاجتماعية والتي تقوم بنشرها مؤسسات رسمية ممثلة بالمحاكم الشرعية عدد الاشخاص الذين ينفصلون(يطلقون) شهريا""حيث إن لهذه الارقام خطورة كبيرة جدا على تفكك وتحطم الأفراد والأسر والمجتمعات وعن الاثار الجسيمة التي سيتركها الطلاق في مستقبل الزوجين من طرف وزعزعة العلاقات القائمة بين أرباب أسر الازواج (أهل الزوجين) من زرع الحقد والكراهية والبغضاء وأحيانا الى التسقيط الاجتماعي فيما بينهم او الاقتتال جسديا ولفظيا من طرف آخر"وهنا أحببت أن اوضح بعض النتائج التي سيتركها هذا الموضوع على مستوى الأسرة أو المجتمع""


على مستوى الأسرة

"بما نحن شعوب عربية وأسلامية تحكمنا بعض العادات والتقاليد والتي من شأنها أن تقوي وتعزز الروابط بين الأسر وتوظف هذه العلاقات الاسرية وتظهرها بالشكل الذي يجعلها احد ابرز مقومات تكوين المجتمعات الحقيقية ووصفها بالعامود الفقري الذي يرتكز عليه المجتمع"حيث إن ديننا القويم وشرعنا الكريم وضع الحجر الاساس لتقوية هذه العلاقات الاسرية من خلال منفذ وطريق يجعل هذه الأسر متحالفة ومتحابة ومتئآلفة فيما بينها ألا وهو طريق الزواج الذي يربط الأسر والعوائل بالمحبة والمودة والوفاء والإخلاص وبالشكل الذي يجعل هذه العلاقات مثمرة على كافة المستويات وما ستجني هذه العلاقة من النفع الكبير في البناء الأسري""وفي حالة الأنفصال او الطلاق سنجد بأن كل هذه الأسس وكل هذه الروابط والصفات المشتركة بين هذه العوائل ستنقلب رئسا على عقب وستؤدي الى انهيار المنظومة العرفية والعلاقاتية بين هذه العوائل والاسر وستجد بأن العلاقة قد تبددت وتشتت وتشرظمت وتفرقت من جميع الابواب وستجد بأن الاحتدام الاجتماعي والاندفاع الى غريزة التسقيط كل للآخر تبدأ بالاشتعال والغليان بأستعمال كافة وسائل التسقيط الممكن استعمالها من أجل التعرئة والتبرئة""التعرئة للطرف المخاصم بأظهار كل السلبيات والصفات التي كان يتصف بها ونشرها أمام جميع الملأ وذالك من أجل تغيير نظرة الآخرين تجاه الخصم ومحاولة جعله في عيونهم بأنه أنسان سيء ومنبوذ ومداهن يستحق كل ماجرى من الانفصال او غيرها" ومن ثم التبرئة من الفعل الذي قام به الشخص تجاه الخصم وأن القرار الذي اتخذه بالانفصال هو لم يكن من رغبة نفسه بل كان مرغما ومجبرا على هكذا فعل بما حتم عليه الواقع العائلي بأن يبتعد وينفصل ويطلق""وهنا بعد الافتراق وبعد التسقيط وبعد الانتقام الجسدي احيانا او اللفظي ستنتقل خوض المعركة الى الداخل الأسري والطرف الأساس او الثالث على موضوع معين ألا وهو موضوع الحضانة الذي جر العوائل الى الويلات والآهات وذالك بسبب تعلق الطرفين أو أحد الطرفين في الأبن وبأعتباره نسل منه وأنه هو الذي يحمل جيناته الوراثية وهو الذي سيعلوا به في المجتمع وهو الذي يحمل اسمه وهو الذي يستحقه أكثر من الطرف الآخر وتختلق الأسباب مابين الغريزية أحيانا ومابين المنطقية والعقلية مرة أخرى وستقام الدعاوى والاعتراضات أمام المحاكم الخاصة في هذا الأمر وكل يرى بأنه هو الأحق بالحضانة وتبني الطفل والعيش في كنفه وكنف أسرته وهنا الخاسر الوحيد والضحية الذي سيبقى تائها وحائرا بين كل هذه المهاترات وهذه السجالات هو الطفل البريئ الذي يرى بأن قلبه مخلوق بنصفين نصف لحب الأب ونصف لحب الأم وغريزته الداخلية التي تجعله يميل الى الأثنان فلا يستطيع تفضيل طرف على آخر او بغض أحد الأطراف وذالك لما غرس الله من كمية الحب والحنان والإخلاص في قلوب الابناء والاطفال تجاه أهليهم""وسيبقى متحطما منهكا في جميع مسيرة حياته وسيبقى الحالم بلملمة شتات أهله وسمعتهم  المنثورة في كل حدب وصوب فلا يعرف ماذا يفعل وبأي شيء سيرد عندما يسمع عن بناء العوائل والأسر وعن المعاني السامية والرصينة التي بنيت عليها هذه الأسر وسيبقى في ديمومة العقد العقلية والنفسية وستستمر معه الى ان يموت لأنه عاش وتربى في بيئة الفرقة وبيئة البغضاء وبيئة الانفصال الابوي وما اثمرت هذه العلاقة من ارتداد نفسه عن كل معاني السعادة ومعاني الحب والطموح والتفائل الذي كان يحلم به نحو غد مشرق نحو غد مليئ بدعم الأبوين له نحو أسرة فيها الأب والأم وفيها الجد والجدة وفيها العمام والخوال وفيها الأرحام القريبة منه لكن عندما استفاق رأى الأم في واد والأب في واد ولا يمكن أن يلتقي الواديان حتى الممات بسبب حجم التركة السلبية التي تركوها في حياتهم وبعد أنفصالهم"


من ناحية المجتمع


بما أن الأسرة هي شراكة استثمارية ومؤسسة تربوية لها دور كبير وعظيم في تنشئة الاجيال وبنائهم على قواعد القيم والمبادئ وعلى الصفات الخلقية العظيمة والتي من شأنها أن تعزز من قدرات الفرد وتسموا به نحو الابداع ونحو الازدهار ونحو التقدم المنشود من كل فرد نشأ في اسرة سليمة الفكر والخلق" وعندما يتم خلق هكذا جيل واع ف يقينا سيثمر هذا الشخص وسيكون ذو تأثير ونفع على الأسرة والمجتمع"ولكن عندما ينشأ الفرد معدوم الانتماء الاسري معدوم البناء السلوكي الجيد معدوم التقويم الذي يحتاجه كل طفل داخل أسرة من أسر المجتمع ف هنا ستكون الثمار والنتائج سلبية ومحطمة ومهدمة على كيان المجتمع بأسره بسبب كمية الفراغ التوجيهي والأسري الذي غاب عنه منذ صغره الى أن اصبح في دور الصبا من غرس كل قواعد المتانة الفكرية والأسس الأخلاقية ومحاولة تطعيمه وتغذيته بها الى ان يصبح مؤثرا جميلا بين اوساطه الاجتماعية ومن فقد الرعاية الأسرية من إعطائه ما يحتاجه من الحب والأهتمام والصدق والوفاء والخواء الثقافي الذي دب في عروقه وفي النهاية ستؤدي به هذه الأمور الى ان يصبح أنسانا متزمتا وأحيانا منحرفا وأحيانا سالكا طرق أخرى نتيجة انعدام الانخراط في المنظومة الدراسية او معاشرته لأشخاص منحرفين سلوكيا ممن يعيشون معه في نفس المأساة النفسية والاسرية وغيرها من التشتت والفوضى والتسيب الكبير الذي عاشه خارج البيت وعدم كفاية الاحتواء له مما جعلته في الأخير أنسانا متزمتا نافرا لكل عادات المجتمع وقيمه ورافضا احيانا لكل السلوكيات الجيدة التي من شأنها ان تعزز من المنظومة الاخلاقية والعلمية في المجتمع"


ان كلامنا عن الطلاق ومدى بيان خطورته على الكيان المجتمعي والاسري لا يعني أن الطلاق لا يمكن ان يكون في واقعنا او يجب أن يزول" فقد شرع ربنا العظيم ورسولنا الكريم الطلاق وذالك لعلم الخالق بأن هناك علاقات أسرية لا يمكن أن تستمر او أن استمرارها سيؤدي الى فواجع يشيب لها الرأس وستؤدي الى نتائج وخيمة أكثر من نتائج الانفصال بسبب الأثر النفسي والصحي والجسدي التي ستتركه هذه العلاقة ان استمرت فالطلاق في بعض الاحيان رحمة عندما تكون العلاقة بين الزوجين نقمة ومأساة مستمرة ليلا نهارا لا تنتهي ولا تزول تحيطها الانقسام وعدم التفاهم والانسجام وسوء الخلق والاتهامات بين الطرفين كل ذاما الآخر بأنه المسبب والمقصر بتحطيم الأسرة والى غيرها من الافعال والسلوكيات المنبوذة"لكن نحن نبين بأن هناك مشاكل تافهة لا تستحق الذكر مطلقا ولا ترتقي أن يسمعها الآخرون فقد يتم حلها في غضون بضع دقائق إذا كان الزوجين يتمتعون بقدر كافي من المسؤولية الأسرية ومن الثقافة والنضج والوعي الذي يمتلكانه" فكم زوج قد حول الحبة الى كبة والنملة الى فيل والورقة الى شجرة بسبب تهويله للمشكلة ومحاولة ترويجها وتعظيمها"ف المسألة تقف عند حدود الادراك العقلي لكلا الزوجين ويجب ان يكون العقل والحكمة هما سيدا الموقف سواء أثناء العلاقة او بعد انتهاء العلاقة"