قراءة في قصيدة ( أخٌ يا إله) للشاعرة آمنة محمود ضمن ديوانها ( ممتلكات لا تخصني) 


 رياض العلي – كاتب عراقي



لنفترض ان لكل نص ادبي جمالية ما حتى لو كان هذا النص يحمل جزئية من جزئيات الوجع الانساني الذي نعيشه في هذا الزمن البائس جداً...

والشاعر الذي يلاحق هذه الجزئيات ويوظفها في نص شعري هو شاعر لا ينطلق من محركات خارجية كما كان يحدث مع الشاعر الكلاسيكي بل انه ياخذ رؤيته كإنسان ومشاعره الداخلية ازاء الحدث الخارجي ويصوغ هذه المشاعر بشكل فني يجعل المتلقي يشعر بانه لصيق بهذا النص لأنه يمثله .

وهذا مافعلته آمنة محمود .


تنطلق الشاعرة آمنة من لحظة موجعة مر بها كل الوطن في سياق درامي مآساوي لتبني معمارية شعرية لا يجيدها الا العراقي المعجون بالالم على مر العصور.

في نص ( أخٌ يا إله) تبدء آمنة بهذا الاستهلال المغاير:

( لا جنة تحت اقدامهن)

وهنا على المتلقي ان يبحث عن هذه المغايرة غير المألوفة كما ترسب في وعيه منذ الصغر فالتناص الذي تستعمله الشاعرة بنجاح يضفي على الاستهلال شئ يشبه الصدمة.

فالجنة المفترضة التي تكون تحت الامهات اختفت في تلك اللحظة الجنونية:

( حين هرعن بعد الدوي)

لماذا الجنة ليست تحت اقدامهن؟

لانهن هرعن ( حافيات للبحث عن اشلاء البنين) 

فالجنة هنا اختفت وحل محلها الجحيم الذي صنعه الانسان بحق اخيه الانسان والذي احرق الارض والنسل فمن اين تأتي الجنة اذن؟

حين تصف الشاعرة تلك اللحظة الدموية المفجعة نجدها تصرخ بألم ووجع كونها الاخت كأنها تشارك تلك الامهات اللواتي بدلن وظيفتهن البايلوجية وصرن خارج قارعة القلب...فالشاعرة بعد ذلك المشهد الاستهلالي الصادم تقدم للقارئ قطعة سريالية مقلقة جداً:

( لا نرجسات يترجلن عن صهوة الالم

لا امهات على قارعة القلب )

فتحول الشاعرة من الوصف الدرامي الى نفحة سريالية جاء دلالة على الحادثة التي لا يمكن ان يتقبلها او يصدقها العقل البشري.

فهل نجحت الشاعرة باستخدامها السريالية الشعرية في نص يتجه بقوة نحو الواقعية لكن ليس بافراط؟

برأيي انها نجحت بذلك وعلى المتلقي ان يعيش المتعة الجمالية في هذا المقطع الذي يحتمل تاويلات عديدة كل حسب درجة تقبله للنص وقراءته له.

 لذلك نجدها في المقطع الثاني تعود الى السياق الدرامي من جديد حيث تصرخ وهي تخاطب الاله وهي هنا تنتقل الى خانة الاخت التي تبحث عن اخاها ، او اشلاءه .

وهنا تلجأ الشاعرة الى التناص القرآني مستعيرة طلب موسى بأن يكون معه اخوه كي يذهب الى فرعون والاستعارة هنا لغوية وليست حكائية فهي -اي الشاعرة- لم تذهب الى استعادة حكاية موسى مع هارون بل اكتفت بأن تاخذ من النص القرآني الطلب النبوي فقط وخيراً فعلت.

فالوجع والفراق واحد والهم مشترك بين الام والاخت واذا كان ثمة الكثير من النصوص التي تناولت وصف لحظة الام وهي تشاهد موت ابنها فأن هذا النص هو الوحيد الذي يتناول هذا الموت من وجهة نظر الاخت  بحسب اطلاعي .

ثم تعود الى التساؤل كشاعرة وبواقعية مريرة :

(لمن ستهدل حمائمهم على اسطح الدور

وقد غادروا!!)

فهم كانوا ينشدون السلام في وطن لا يعرف السلام ولن يعرفه وهذه الحمائم ستصمت بعد مغادرتهم ...

وهم الذين أتوا بعد نذور اثقلت تلك الامهات اللواتي شلت اقدامهن وهن وقوف في ساحات المرافد والاولياء..

ومن جديد تلعب الشاعرة على تقنيات التناص مع التراث المقدس حين تقول :

(قل هو العراق :"الم")

ثم تأخذ الشاعرة استراحة من اللغة الشعرية فيها شئ من التقريرية حين تقول:

( سقيناك بالدمع فأنجبت لنا جراحاً جائرة

سقيناك بالدم فأخرجت لنا طغاة طيبين)


لكنها سرعان ما تعود الى الشعر وبسرعة كأن ما قرأناه اعلاه جملة اعتراضية فالابناء الحقيقيون لهذا الوطن هم نذر تتفجر وليس اولئك الذين تحفظهم أية الكرسي والذين يتحولون الى سلائف خائفة القابعون في بيوتهم او قصورهم الشامخة وراء اسوار تلبي لديهم نزعة الخوف والنهار .

ثم ترسم الشاعرة بعد ذلك صورة بانورامية للعلاقة بين الوطن والرب والاطراف المتطايرة عند كل مشهد متفجر وما أكثر تلك المشاهد .

ثم تعود الى لعبتها الشعرية التي بداتها حيث تستعير هذه المرة من الانجيل رمزية الحملان حيث وصف يوحنا المعمدان يسوع بانه حمل الله الذي يرفع خطية العالم حيث تقول الشاعرة :

( امطر بركاتك علينا

فنحن حملانك الطيبون)

وكالعادة تقف الشاعرة بعد هذا المقطع الجميل عند حالة تقريرية واضحة المعالم لا تحتمل التأويل او التفسير فنحن مهرة في صنع الطغاة وهواة في الهتاف لكن اقرأوا معي هذا :

( عالقون في المسافة التي لاتصل

في اغنيات تفحمت في حناجر المتشردين) 

فهذا المقطع هو قصيدة بحد ذاته ويحق للقارئ ان يقف طويلاً ويسترجع كل تلك الاغاني ومشاهد التشرد العراقي على طول القارات والبحار وتلك

الااغاني التي تفحمت مثلما تفحمت الاطراف في انفجارات بغداد.

وامام بروباغندا السلطة عن النصر المزعوم فأن فكرة هذا النصر وصلت لكنها كانت عرجاء بعد كل تلك العكازات التي صارت كرجل ثالثة لجرحى الحروب وغبراء بعد كل عواصف الصحراء التي غطت عيون الجنود قبل كرامتهم المهدورة..

فهل فهمت الشاعرة تلك اللعبة الصبيانية التي اسمها حروب وتفجيرات ووطن ماهر جداً في تعذيب وقتل ابناءه؟

هي تدعي الفهم..

القضبان وهي دلالة عميقة عن انواع مختلفة للسجون ، سجن صغير يتبع طاغية صغير وسجن كبير اسمه وطن وسجن اكبر هو النفس البشرية التي صنعت كل هذه القضبان فلاسبيل امام الشاعر الا ان يحضن دمية الشعر الشوكية وينام، لكن اي نوم هذا والدماء في كل مكان...

لكن هل توجد استعارة تناصية في قول الشاعرة :

( الشاه يأكل كل الشياه)

فهي لم تقل (الشاة) بل ( الشاه) ومن المعلوم ان الشياه لا تاكل اللحم او لا تأكل بعضها البعض ، وهذا يعني انها تقصد بالشاه هنا الملك او الحاكم (الراعي) وهذا الجناس اللغوي استعملته الشاعرة بذكاء بالغ فهي قد فهمت ان هذا الحاكم يستمد سلطته من الاله .

تنهي الشاعرة النص بمقطع وضعته بين اقواس صغيرة لكن الذي لفت انتباهي هو كلمة ( نراق) والمعنى والتشبيه واضح جدا. 

بالمجمل ان هذا النص الذي افتتحت به الشاعرة ديوانها الجميل هو نص عراقي بامتياز ولا يمكن لأي انسان في هذا الكوكب ان يفهمه الا اذا عاش في هذه البقعة الجهنمية وهنا تكمن براعة أي شاعر في ان ينقل لحظة يومية ويحولها الى نص شعري ،فبعد مائة سنة وحين يأتي مؤرخ ويريد ان يدرس تاريخ العراق في هذه المرحلة سيتعامل مع الوقائع بمنهجية اكاديمية باردة في حين ان دارس الشعر وهو يتعامل مع نصوص كتبت في نفس المرحلة سيكون امام نصوص ساخنة بسخونة الدم المراق على الارصفة المتسخة وهنا تكمن اهمية الادب.

والشاعرة كانت بارعة جداً في استخدام التراث الشعبي والديني في تناصات لغوية لم تاخذها بعيداً وانما اكتفت بالناحية اللغوية الاستعارية .

واعتقد ان هذا النص ينتمي الى مفهوم القصيدة اليومية لكن بشكل مختلف فهي -اي الشاعرة- تصف لحظة يومية معاشة يجدها البعض وبحكم التكرار لحظة عادية جدا لكن الشاعرة انزاحت نحو القصيدة المفكرة في بعض مقاطع النص وهذا يحسب لها.

واقولها وانا واثق من هذا بان هذا النص صعب جداً على اي شاعر ويحتاج الى قدرة وامكانيات ليست بالسهلة فكيف يستطيع الشاعر ان يلخص شخصية الفرد وعلاقة الانسان بالوطن والحاكم ومع ذلك ينجح في جذب انتباه القارئ له.