بقلم الكاتب والباحث السياسي

الدكتور أنمار نزار الدروبي


ترتبط ظاهرة العنف السياسيّ بالأداء العامّ لوظائف النظام السياسيّ، فكلما كان أداء النظام السياسي فاعلاً وشاملاً وعادلاً، ضعفت فرص بروز ظواهر العنف السياسيّ بوصفها ردة فعل تجاه السياسات التي ينتهجها النظام السياسيّ. وأيا كان مفهوم العنف السياسي فهو بالنتيجة يمثل وجها من وجوه السياسة، حيث يصبح العنف سياسيّا عندما يتضمن اختراقاً حقيقيًّا من قبل النظام السياسي لبعض الحقوق السياسيّة للأفراد، أو عندما يتصل بتحقيق أهداف سياسيّة، بمعنى أنه العنف الرسميّ الذي تمارسه الحكومات والأنظمة تجاه المواطنين والجماعات. وفي الجانب الآخر هناك نوع آخر من العنف السياسيّ الذي يُطلق عليه العنف غير الرسميّ، وهو العنف الذي تمارسه الجماعات والأفراد تجاه الحكومات، أو اتجاه فئات أخرى من الجماهير، وكذلك صراعات أجنحة النظام بعضها تجاه بعضٍ، بالإضافة إلى صراعات القوة المجتمعيّة لأسباب اجتماعيّة، وعليه لا وجود للسياسة بدون قدرٍ ما من العنف. بيد أن العنف السياسي لا يقتصر على الأنظمة الشمولية في الوطن العربي أو دول الإقليم، بل إن لنشأة الدولة القوميّة المعاصرة في الغرب كانت ذا بُعداً فلسفيًّا يتصل بالعنف، وللدولة المعاصرة ارتباطٌ قويٌّ بالعنف في واقعها الحاليّ. وبلا أدنى شك فإن أعمال العنف السياسيّ تتصاعد في مراحل التغيير السياسيّ، فلا تغيير سياسيّ بلا قدر من العنف. وخلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين شهدت دول عدة في جنوب أوربَّا وشرقها، وفي أمريكا اللاتينية، وآسيا وأفريقيا عملياتِ تحول نظم الحكم الديمقراطيّ لم تخلُ من العنف السياسيّ، وبدرجات متفاوتة. ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺗﻄﻮر اﻟﻤﻔﺎهيم ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺨﺺ اﺣﺘﺮام الآﺧﺮ، وﺣﻘﻮق الإنسان، وﺣﺮﻳﺔ اﻟﻤﻌﺘﻘﺪ، على سبيل المثال على الحصر، ﻻ ﻳﺰال الأيرلنديّون وﻓﻲ ﻗﻠﺐ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة الأوروبية ﻳﻌﺎﻧﻮن ﻣﻦ اﻟﺘﻤﻴﻴﺰ واﻟﺘﻌﺼﺐ اﻟﺪﻳﻨﻲّ، لاسيما تعود ﺟﺬور اﻟﺼﺮاع الأيرلنديّ-اﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲّ اﻟﻰ اﻟﻘﺮنين الثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ، وهو تاريخ الاحتلال البريطانيّ لأيرلندا. من هذا المنطلق فإن العنف السياسي يُمكن أن يمثل صورة من صور صراع الأيديولوجيات الشمولية والعقائد والمفاهيم التي ترفض استيعاب الآخر وغير قادرة على هضم التناقض السياسي والمجتمعي والثقافي.

أتسم التاريخ السياسي المعاصر للعراق بالغلو، حيث كان العنف السياسي هو السمة الأبرز من تاريخ وجود العراق كدولة إلى يومنا هذا. ولعل الباحث عن لحظات تأسيس العنف السياسي في العراق لا يمكن أن يختزل التناحر والصراعات بين القوى السياسية الفاعلة بعد 2003 فقط، وإنما العنف السياسي كان في قلب صيرورة نشأة الدولة العراقية، لأنه (العنف السياسي) وسيلة أساسية للعمل السياسي. من هذا المنطلق يجب الرجوع إلى النماذج الفكرية التي استقت منها أفكارها القوى السياسية، وبنيت عليها سلوكها وأساليب عملها. فجميع القوى السياسية سواء كانت من داخل المؤسسة العسكرية أو أحزاب قومية أو حركات إسلامية حاولت ترويض المجتمع العراقي باستخدامها آليات العنف السياسي، وبعضها أرسى دعواه لكي يحكم بناء على دوره التاريخي، مع العرض أن كل من قام بتحدي الأنظمة التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية غالبا ما يتهم بالخيانة، مما خلق إشكاليات كبيرة في المجتمع أدت في النهاية إلى رفض هذه القوى حتى من داخل البيئة التي انتجتها. وسواء كان هذا الرفض عن خوف أو عن نفور الخيارات المتاحة، فإن أغلب العراقيين ظلوا على هامش معركة يتزايد فيها الصراع على السلطة وسفك الدماء. في السياق ذاته تعتقد كل القوى السياسية التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى الآن بمختلف مسمياتها واتجاهاتها وأيديولوجياتها، أن وجودهم في السلطة وقوتهم مرجعه إلى قوة الخطاب الذي أنتجوه، وينسون أن الاحتماء بكرسي الحكم هو الأساس في البحث عن الذات وتحد لكل الأزمات. وإن هذه الظاهرة ليست دليلا على قوة الفاعل السياسي وعمق انغراسه في المجتمع والتاريخ سواء كانت عسكرية أو حزبية أيديولوجية أو مناطقية، بل أنهم استفادوا من أوضاع صنعوها ولكن لم يفكروا فيها بشكل علمي واقعي عميق.

وتـأسيسا لما تقدم، يعتبر العنف السياسي في العراق هو الأداة الفعلية لجميع القوى السياسية التي وصلت إلى السلطة، لاسيما أن بعض هذه القوى قد استبدلت بوجودها العسكريّ وجوداً سياسيًّا أكثر خطورة، في الوقت نفسه فإن هذه القوى قد فشلت في توجيه قنوات الصراع السلميّ، والتعامل مع مشروع الأقليات والمعارضة السياسيّة أو الدينيّة.

وإذا كانت الصورة قاتمة لمستقبل العراق السياسي وللمجتمع العراقي المأزوم والمهدد من الداخل والخارج منذ عقود، فهل يكون تقاعس العراقيين هو سبب الأزمة والعيب ليس في القوى السياسية؟

هل نؤمن إننا سوف نخرج مستقبلا من مسلسل العنف السياسي أكثر عقلانية وأكثر ديمقراطية؟

هل ستعمل القوى السياسية مستقبلا على الوحدة حول الأيديولوجية الوطنية؟