زياد الشيخلي

انقلبت الحسابات والمعادلات والشروط والثوابت للعملية السياسية في العراق، مع تبخر رهانات العودة للتوافقية. وقد يرى البعض أن تفسير انسحاب الصدر على أنه أمر طبيعي بعد فترة توترات ومباحثات معقدة رفض فيها الصدر التحالف مع جماعة الإطار التنسيقي وتشكيل حكومة توافقية، حيث جاء رفض الصدر لهذا التحالف بعد أن أصبح النظام السياسي نظاما هجينا متناقضا فقير التجربة ومضطرب يتقلب في داخله منذ تأسيسه. بالمقابل يصر جماعة الإطار التنسيقي على تشكيل الكتلة الشيعية الأكبر من خلال تحالفهم مع التيار الصدري، سيما أن الإطارين يعتبرون هذا التحالف بالنسبة للأحزاب والكتل السياسية الشيعية هو مسألة طبيعية منذ تأسيس العملية السياسية 2003 وخلاف ذلك التعاون هو الاستثناء. وبعد انسحاب نواب التيار الصدري من البرلمان وتقديم استقالاتهم، ذهبت العديد من التحليلات والسيناريوهات التي من الممكن أن تشهدها العملية السياسية مع العرض أن الصدريين لم ينسحبوا من السلطة التنفيذية ولا يزال هناك ما يقارب (600) من جماعة التيار الصدري يمثلون رقما صعبا في السلطة التنفيذية والجهاز الإداري للدولة العراقية.

وبشأن السيناريوهات المحتملة لانسحاب الصدر من مجلس النواب، نشير إلى أن كل السيناريوهات مفتوحة وهي:

السيناريو الأول: المسار التفاوضي الذي ما زال قائماً، حتى هذه اللحظة، وقد يلجأ قادة الإطار إلى التفاوض مع الصدر مرة ثانية والعودة إلى طاولة الحوار على أقل تقدير والانصياع لمطالب الصدر وأهمها ذهاب جماعة الإطار إلى المعارضة، وإن تحقق هذه السيناريو فهو بمثابة هزيمة دبلوماسية كبيرة لجماعة الإطار التنسيقي، والتي ستكون لها تداعياتها على الميليشيات تحديدا، وقدرة هذه الميليشيات في التعامل مع الملف السياسي العراقي إقليميا ودوليا، كما سيسهم ذلك في شعور التحالف الثلاثي برمته بالتفوق والاستعلاء. وأيا كان هذا السيناريو المتوقع، فإن أي حل يخرج عن الإطار التفاوضي قد يؤدي إلى تعقيد الوضع السياسي المتأزم أصلا في العراق، مما يضر بمصالح كافة الأطراف.

السيناريو الثاني: سيناريو قبول الأمر الواقع من قبل جماعة الإطار التنسيقي فيما يتعلق بانسحاب التيار الصدري والانسحاب أو توقف المفاوضات بين الجانبين، سيلجأ جماعة الإطار للضغط على باقي الكتل السياسية التي كانت حليفة مع الصدر، ومن ثم عقد تحالفات معهم وإعلان الإطار عن البدء بتشكيل حكومة توافقية مع باقي الأطراف، مع بقاء المسار التفاوضي مطروحا أمام زعيم التيار الصدري.
 
السيناريو الثالث: أما إذا صادف المسار التفاوضي فشلا مع باقي القوى السياسية وتمكن حلفاء الصدر من تمرير المفاوضات مع جماعة الإطار بلا اتفاق، فقد يسعى الجميع إلى إجراء انتخابات مبكرة. ويرى مراقبون أن هذا السيناريو لا يواجه حظوظا كبرى في النجاح بوجود المستقلين في البرلمان، لأن كتلة المستقلين في الوقت الحاضر أصبحت تمثل رقما صعبا في العملية السياسية وتحديدا بالنسبة لجماعة الإطار التنسيقي، ولأن قادة الإطار معروفون بشكل خاص ببراغماتيتهم فقد يلجأ جماعة الإطار إلى إتاحة الفرصة ودعم المستقلين بتشكيل حكومة مهلهلة، ومسيطر عليها بشكل أو بآخر من قبل جماعة الإطار التنسيقي.

السيناريو الرابع: وهو الأخطر. بما أن زعيم التيار الصدري يعلم جيدا أن قادة الإطار التنسيقي يفتقدون الإرادة السياسية في حل الأزمة، بعد التعنت التي كشف عنه أكثر من مرة خلال جولات التفاوض بينهم، بمعنى أن جماعة الإطار ليس لديهم الرغبة في حل الأزمة، بل هي مراوغة من أجل تحقيق أهدافهم. إذن سيناريو خروج الملايين من اتباع التيار الصدري إلى الشارع بتظاهرات كبيرة دعما لزعيمه يمثل مشروعا قد يسعى من خلاله الصدر إلى حشد جماهيره خلف هذا المشروع بأي ثمن، وفي حالة رضوخ جماعة الإطار لهذا السيناريو مستقبلا سيكشف عن أن جماعة الإطار لم تكن تتفاوض بنية الحل السياسي ولكن لكسب الوقت والمراوغة. مع العرض إلى أن الخيار الجماهيري بات يلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، بعد انسحاب الصدر من البرلمان، واعتمدت تلك التحليلات أساساً على زعامة السيد مقتدى الصدر كزعيم جماهيري عقائدي. بالمقابل يرفض بعض المفكرين وأصحاب الرأي قضية ذهاب الصدر إلى تحشيد الشارع في الوقت الحاضر على الأقل.

السناريو الخامس: المعادلة الدولية، وهو الأسوأ، بما أن العراق مازال تحت البند السابع للأمم المتحدة، ونتيجة لهذا الانسداد السياسي الذي يعتبر عائقا أمام تشكيل حكومة عراقية بعد أكثر من ثمانية شهور على إجراء الانتخابات، قد تلجأ الأمم المتحدة ومجلس الأمن للتدخل في الشأن العراقي من خلال تشكيل حكومة مؤقتة وأيا كانت التسميات، بالتالي سيدخل العراق في الوصاية الدولية بصورة مباشرة، وستكون لتلك الوصاية تداعياتها الخطيرة على جميع القوى السياسية.