روان باسيل


ليست الثقافة بمعزل عن السياسة، وأيّ فعل ثقافي خال من السياسة هو فعل منقوص، فيما كل فعل سياسي يهمل الجانب الثقافي قاصر. وهنا تظهر وظيفة المثقفين الوطنيين في تحقيق التغيير إلى الأفضل، وهو ما حدث سابقا في عدة أقطار عربية، قبل أن يتراجع هؤلاء عن أدوارهم، لتشهد الأوطان العربية العديد من الانتكاسات، على غرار ما يحصل في لبنان الذي بدأت نخبه محاولة حثيثة لإنقاذه.

يدعو الطبيب البروفيسور والكاتب اللبناني فيليب سالم في كتابه الجديد "فلسفة التمرد والثورة" إلى تطوير فلسفة سياسية جديدة للبنان تحدد دور الدولة الحديثة ودور المواطن فيها، وأهم أدواره الولاء لوطنه والانتماء إليه دون سواه.

ويشدد على أن الدولة الحديثة بالطبع يفترض أن تبنى على نظام سياسي ديمقراطي متطور، يحافظ على ثوابت لبنان التي بُني على أساسها وأعلنت دولته من أجلها، كما يحافظ على ثوابت الاستقلال في الميثاق والصيغة، بما يعني التعايش الحر بين أبنائه وتحييده عن الشرق والغرب وعن المحاور الإقليمية والدولية، مع تأكيد هويته العربية.

لا يرى سالم غضاضة في أن يطلب من لبنان عقد مؤتمر دولي خاص به لترسيخ حياده وضمان سلامته وسيادته، وخطة “مارشال” جديدة تبني اقتصاده على أسس سليمة.

ويرى في كتابه، الصادر عن دار سائر المشرق، بأن النظام اللبناني هو جمهوري برلماني ديمقراطي، من أفضل النظم، لكن يجب تغيير الذهنية التي تجعل المواطنين في خدمة الحاكم وليس العكس، والقوانين وضعت لمصلحة الحاكم وأذنابه، والولاء للزعيم والطائفة وليس للوطن، وأن الفساد وجهة نظر. أما تحرر اللبنانيين فيبدأ بالتحرر من الزعيم والطائفة.

مقترحات للإصلاح
كل أزمات لبنان تتجلى عبر ما تنطق به النظرات وما يرفعه الشعب من شعارات
ويواجه لبنان أزمة وجودية تهدد حضارته وهويته الكيانية، وهي أشد وأدهى من الحروب والأزمات السابقة، لأنه في موقع خطر تواجهه كل مظاهر الحضارة التي يتجاوز عمرها الستة آلاف سنة، والتي إن زالت زال. إننا متمسكون بحضارتنا الأنموذج للعالم بتعدديتها الثقافية والدينية وحرية الاعتقاد واحترام معتقدات الآخرين، والتي تصبو إلى مستقبل الإنسان متجاوزة ماضي الأديان إلى وطن الإنسان.

لبنان الرسالة ذو التاريخ المميز بالحرية والتعددية الثقافية، القائم على حضارة عريقة على شاطئه ومدنه التراثية منذ آلاف السنين، مد حضارته عبر العالم منذ عشرات السنين، فالجالية اللبنانية من أقدم الجاليات في العالم، افتتحت العولمة قبل العولمة، مفترضة أن رسالتها عالمية، كما عبر أحد أبرز ممثليها، منذ قرن من الزمن، جبران خليل جبران الذي صرخ بنيويورك قائلا “أيتها المدينة نحن هنا لا لنأخذ فقط، بل لنعطي أيضا، نحن هنا لنشارك في صنع مستقبلك ولنغني حضارتك”. وفعلا أعطاها نبيا جديدا وإنجيلا جديدا وصلاة راسخة إلى الأبد.

النقطة الأولى التي لفت إليها سالم عندما دعا إلى الترشح للانتخابات النيابية التي مضت في أجواء الثورة وتوحيد اللوائح، وهذا ما لم يحدث، وربما كانت النتائج أفضل. وقال “إن إحياء الثورة هو ضرورة لنجاح المعارضة في الانتخابات”، لأنها “تحول الغضب الذي يضج في صدور المواطنين إلى أصوات في صناديق الاقتراع”.

واقترح على الثوار اتباع الخطوات الآتية: إحياء الثورة بمفاهيم جديدة، وتغيير السلطة بالطرق الديمقراطية والحضارية، وتحديد إستراتيجية محكمة للفوز صعودا على سلم السلطة. أما الدول التي ترغب في مساعدة لبنان، فالمساعدة على إزاحة السلطة الفاسدة، وتحرير البلاد من الميليشيات والوصايات الخارجية، وضمان حياده، ولهذه الغاية طالب بعقد مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة لوضع لبنان تحت المظلة الدولية مرحليا لضمان استقلاله وسيادته، ثم دعمه اقتصاديا.

يرى سالم أنه ليس عيبا أن يعتمد لبنان المقيم في رفد اقتصاده بمعونات يرسلها لبنان المغترب إلى أهله، لكن العيب في أن تقصر السلطة السياسية الإفادة من غنى الاغتراب الكبير بهذا الرافد الضئيل، مبينا أنها لو كانت على قدر المسؤولية لخططت لتوسيع الإفادة من القدرات الكبيرة التي يختزنها من العلم والعلماء والأدب والأدباء والثقافة والمثقفين والاكتشافات والمكتشفين والسياسيين من نواب ووزراء ورؤساء، فضلا عن أصحاب الثروات الضخمة، في دول العالم قاطبة، لتأليف لوبي لبناني يعمل على خدمة الوطن في كل المحافل الدولية وفي العلاقات الدبلوماسية، لإنقاذه وانتشاله من ضائقته وأزمته الكبيرتين، وتثبيت مفهومه الاستقلالي بالحياد الإيجابي الفاعل.

الثورة والتغيير

رسالة إلى التغييريين: تمسكوا بلبنان أرضا وشعبا، ولا تقبلوا التفاوض عليه إطلاقا
ووجه الكاتب رسالة إلى التغييريين يقول فيها: تمسكوا بلبنان أرضا وشعبا، ولا تقبلوا التفاوض عليه إطلاقا، ولا تساوموا عليه في سوق النخاسة وتبيعوه في سوق الخردة. دافعوا عن الجيش اللبناني كي يحافظ على كل شبر من الوطن وكل حبة تراب من أرضه، وارفضوا كل أشكال التقسيم والتوطين والدمج، فلبنان لأبنائه الذين وجدوا فيه منذ مئة سنة وأكثر، كفاه لاجئين ونازحين لقد ضاق بأبنائه. ابتعدوا عن المناكفات الجانبية وأبعدوا لبنان عن حلبة الصراعات الإقليمية والدولية. ولتكن بوصلتكم دائما في اتجاه الحياد الفاعل.

وتوجه سالم إلى الثوار ومن خلالهم إلى كل المواطنين، قائلا “إن من يخاف التغيير يبقى في مكانه، ومن يخاف الخطر يقبع في بيته، ومن يخاف الفشل لا يمكنه تحقيق النجاح. هذه ثورة، وهل هناك ثورة لم يكن فيها الكثير من الخطر والفشل؟ وهل هناك طريق أخرى للخروج من هذا السجن العربي الكبير؟ لقد انتظرنا هذه الثورة طويلا”.

وأوصى اللبنانيين جميعا بأن يعملوا على بناء الدولة بتغيير النظام السياسي الطائفي المهترئ “حيث لا يقاس الإنسان بمن هو، بل بانتمائه الطائفي”، وبتغيير الطاقم السياسي “الذي يؤمن إيمانا عميقا بأن مصلحة السياسي فوق مصلحة الوطن”، وبالقضاء على الفساد ولاسيما السياسي بحيث “لا يكون بعد اليوم هناك مواطن لبناني يفتخر بأن مرجعيته خارج الحدود اللبنانية”. ويضيف “أخيرا: انتموا إلى لبنان فقط، امنحوه ولاءكم المطلق، تنجح ثورتكم”.