محمد عبد المحسن


المرحوم الدكتور عبد الحسن زلزلة ( الإقتصادي والدبلوماسي ، الوزير والسفير ، محافظ البنك المركزي ، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية ) كان شاعراً مُجيداً أيضاً ، تميز شعره بالحماسة والروح الوطنية ، وقد نشر في العام ١٩٤٧ قصيدة بعنوان (تمثال العبودية) في جريدة ( لواء الإستقلال ) باسم مستعار هو (صقر) وصف فيها صاحب التمثال بأنه رمز للإستكبار وازدراء الشعب، قائلاً في مطلعها :
لمن التمثال في الكرخ تباهى وتبختر
وازدرى بالشعب لما تعالى وتكبر
ولما كان في كرخ بغداد يومذاك تمثالان، أحدهما للجنرال الإنكليزي (مود)، والآخر للملك فيصل الأول فقد فسر البعض هذا القول على أنه إشارة إلى الجنرال الإنكليزي وفسره البعض الآخر على أن المقصود به الملك فيصل ، وكان التفسير الأخير هو المرجح لدى السلطة، فكان أن اعتقل رئيس تحرير الجريدة ( المرحوم قاسم حمودي ) وجرى التحقيق معه ثم أحيل إلى محكمة جزاء بغداد ( هكذا كان اسمها ) لمحاكمته، وحكم عليه بالحبس لمدة سنة، فأثار ذلك الرأي العام والوسطين السياسي والأدبي، وأصدر حزب الإستقلال كراساً تضمن وقائع المحاكمة ، وظهرت على غلاف الكراس صورة رئيس التحرير بملابس السجناء ، وفي هذه الأثناء نقض الحكم وأعيدت الدعوى إلى المحكمة لإجراء المحاكمة مجدداً ، وخلال المحاكمة قرر القاضي ( المرحوم عبد العزيز الخياط ) بناءً على طلب وكلاء الدفاع الذين تطوعوا للدفاع عن المتهم ( وهم المحامون فائق السامرائي وداود السعدي وعبد الرزاق شبيب رحمهم الله ) الإستماع إلى شهود الدفاع ، وكان من بينهم الشاعر محمد مهدي الجواهري، وعلي الشرقي ، ومنير القاضي ، وحسين الأعظمي ، وحمدي الأعظمي، ومحمد رضا الشبيبي، والدكتور مصطفى جواد ، ومحمد الصدر ، وحامد مصطفى .
وعند الإستماع إلى شهادة الجواهري، بعد تحليفه اليمين، طلب منه القاضي أن يبين القصد الذي ترمي إليه هذه القصيدة .
بيّن الجواهري أنه اطّلع على أبيات القصيدة وقرأها أكثر من مرة، وأنه يعرف عن قواعد الشعر أن الكناية أبلغ من التصريح ، وبموجب هذه القاعدة وجد أن الأبيات تكاد تكون صريحة في أن المقصود منها هو تمثال الجنرال مود بحيث أن الصراحة فيها لو تجاوزت هذا الحد لكان الشعر فيها يكاد أن يكون مبتذلاً ، فهي بكناياتها وإشاراتها وصفاتها المحددة الواضحة أبلغ مما لو أضيف إليها اسم الجنرال مود ، والذي استند إليه في هذا التركيز هو التباهي والتبختر في البيت الأول الذي لا ينطبق على غير تمثال الجنرال مود ، فهو بالبزة العسكرية بزة الفاتحين الذي ينطبق عليه التباهي والتبختر، وفي البيت الثاني الإزدراء بالشعب ، وأنه لا يعلم كيف يمكن صرف هذا البيت إلى غير تمثال مود ، ولا يخطر على بال أحد أن ملكاً للبلاد يمكن أن يزدري بالشعب، والبيت الثالث قيادة جيوش العرب للنصر ، وأن كل التواريخ الحديثة تؤيد أن العرب وجيوشها كانت منضمة إلى الحلفاء ، وأن النصر المقدر لا يفهم منه إلا انتصار الحلفاء على أعدائهم ويوضحها البيت الذي بعده، وأما البيت الخامس فهو التاريخ المسطّر مقيداً بأنه تاريخ للأمة، ويراد بها الأمة العربية طبعاً ، ولا يتحدد ذلك في العراق ، فلا يمكن صرف الشعر إلى جلالة ملك العراق ، وأن أبلغ دلالة على أن المقصود هو مود البيت السادس الذي يقول عن التمثال أنه رمز للعبوديات ويرمز للحق المعفّر ، وأنه - أي الجواهري - بوصفه شاعراً ومواطناً، لا يعلم أن هناك تمثالاً يمكن أن ينطبق عليه هذا غير تمثال مود، وهو  -التمثال- شامخ في الجو ومتجبر مما يفهم منه في البيت السابع أنه هو المقصود .
إنتهت الدعوى بالإفراج عن المرحوم قاسم حمودي.
وأنا أرجع اليوم إلى وقائع القضية لا أخفي استغرابي من استماع المحكمة إلى إفادة الجواهري بوصفه شاهداً ، فالجواهري لم يكن يدلي بأقواله حول ما شهده من تفاصيل واقعة لأن الشاهد ، كما هو معروف، يدلي بأقواله عن ما أدركه وأحاط به بحواسه كالرؤية أو السماع أو اللمس عند وقوع الواقعة المكوّنة للجريمة محل التحقيق أو المحاكمة دون الأخذ بالشهادة عن طريق السماع من آخرين ، وهو ما لا ينطبق على ما أدلى به الجواهري من أقوال في هذه القضية ، والتكييف القانوني السليم لصفته في القضية هو أنه (خبير ) لجأت إليه المحكمة للإستعانة بخبرته الأدبية في تفسير مدلولات أبيات القصيدة .
رحم الله شاعرنا الكبير الجواهري ، ورحم القامة العلمية والدبلوماسية والشعرية المرموقة الدكتور عبد الحسن زلزلة .