رياض هاني بهار


بدأت عملية إصلاح الشرطة في عقب انهيار نظام سوهارتو في 1998 بعد الغضب الشعبي الهائل ضد عسكرة المجتمع واستخدام قوات الشرطة بقمع الاحتجاجات بالقوة، وتركزت أولى خطوات الإصلاح على فصل الشرطة عن النظام العسكري، واستبدال الزي العسكري والتراتبية العسكرية بأخرى مدنية تركز على مفهوم الخدمة العامة.
وقد تم إصلاح الشرطة على ثلاثة مستويات:

مستوى فكرى - ركز على ضبط أداء الشرطة على وقع الإصلاحات الدستورية والقانونية بالبلاد وإنتاج ثقافة جديدة جهاز الشرطة الوطنية
مستوى هيكلي - ويقوم الإصلاح الهيكلي على استقلالية المؤسسة والشعور القوى بالانتماء إليها والالتزام بالمهنية والقواعد الدولية لأداء الشرطي.
مستوى أدواتي - أما مستوى الأدوات فركز على حديث المؤسسة وفقا لمقتضيات العلم والتكنولوجيا وتوجيهها للخدمة العامة.

كما نص الدستور الإندونيسي الجديد على أن يتبع جهاز الشرطة رئيس الجمهورية مباشرة ويتم إنشاء جهاز أعلى لتوجيه عمل الشرطة، كما تم إصدار قانون جديد للشرطة تكون الشرطة موجبه أداة الدولة في حفظ وتطبيق القانون وتقدم الحماية للمواطنين كخدمة عامة ، رغم هذا فإصلاح الشرطة بأسلوب فوقى (من أعلى الى الأسفل) ليس كافيا وإنما لابد من إصلاحها من الأسفل الى الأعلى أيضا عبر الاهتمام بالعنصر البشرى ورفع كفاءته وقدراته ، ويتطلب الإصلاح من أسفل رفع كفاءة عنصر الشرطة الذى يعمل على الأرض وفى مواجهة الجمهور، ولكنه أيضا يستلزم رقابة المجتمع المدني والمحلي على أداء الشرطة وضبطه .
بعد هذه التعديلات بأشهر قليلة كلفت الحكومة (مركز أبحاث إندونيسي مختص بشئون الأمن والسلم) بمهمة وضع توصيات لاصلاح الشرطة ، وأول خطوة اتخذها المركز استطلاع رأى موسع في 6 مقاطعات إندونيسية للتعرف على المشكلات الحقيقية التي تعوق مهنية الشرطة، تجاوب مع الاستطلاع حوالى 3 آلاف ما بين العاملين بالشرطة ومواطنين عادين يتعاملون مع خدمات الشرطة.
حددت الدراسة مشكلات ضبط الأمن في المجتمع كالتالي:

الخوف من تفشى الجريمة، تعقد إجراءات اللجوء للشرطة، وجود عدد كبير من الجرائم المقيدة ضد مجهول لعدم ضبط مرتكبيها، انتهاكات واسعة للقانون وآداب المهنة من جانب رجال الشرطة، الخوف من الشرطة بدا من الاحتماء بها ما يعنى شعورا عاما سلبيا تجاه أداء الشرطة في المجتمع.

على الجانب الآخر وجدت الدراسة أن تطوير العمل الشرطي يصطدم بعدة عوائق أهمها:

اهتمام رجال الشرطة بالمكاسب المادية، التمسك بالنزعة العسكرية لرجال الشرطة، فقر الإبداع والحلول المبتكرة، الاهتمام بمصالح الشخصية على حساب الصالح العام، وعدم الاستقلال المؤسسي لشرطة، ومن هنا أوصت هذه الدراسة بثلاث توصيات رئيسية:
الأولى - الاهتمام بإعادة توجيه أخلاقيات مهنة الشرطة نحو العمل المدنى لا العسكرى مع التأكيد على مبدأ أن رجل الشرطة هو حامي وخادم للمجتمع.
الثانية -إعادة هيكلة أجهزة الشرطة مما يسمح مزيدا من الاستقلالية واللامركزية والمساءلة.
الثالثة -تتعلق بتنمية إدارية مؤسسية حديثة جهاز الشرطة لضمان الارتقاء الوظيفي لرجال الشرطة على أسس ومعايير واضحة ترفع من كفاءتهم وتحقق لهم الإشباع النفسي في مناخ العمل.

الأهم من التوصيات التي توصلت إليها هذه الدراسة هو بناء علاقة شراكة مستمرة بين مراكز الأبحاث المستقلة في شئون الأمن والسلام الأهلي بإندونيسيا وبين جهاز الشرطة الذي بدأ بتنفيذ هذه التوصيات، حيث ثم إشراك مراكز الأبحاث تلك في قرارات الإصلاح الداخلي للشرطة. كما أصبح القائمون على جهاز الشرطة أكثر تقبل للنصائح والاستشارات التي يقدمها الخبراء من غير العاملين بالشرطة، واعتمد صنع القرار بالجهاز على مدخلات عدة جهات علمية ومدنية وحقوقية، وبالمثل أصدر جهاز الشرطة بالتعاون مع خبراء من خارجه كتابا يشمل العقيدة الجديدة التي تنتهجها الشرطة في إندونيسيا وعمم نشره على كافة مراكز الشرطة بالبلاد.
كما تقرر إجراء برامج تدريبية لرؤساء مراكز الشرطة بعدة مقاطعات لتنمية قدراتهم على تقدم حلول مبتكرة للمشكلات التي يوجهونها في عملهم، فتم تدريبهم على إدارة الصراعات وحل المشكلات ومنع الصراعات قبل وقوعها، وقد تم إجراء هذه التدريبات على مستوى كل مقاطعة، فيما يتعلق مد جسور التواصل الدائم مع المجتمع المحلى بعقد لقاءات دورية وإقامة خط اتصال ساخن لتلقى الشكاوى والاقتراحات كما تم استحداث وحدة للتدخل السريع حل الصراعات تتكون من ضباط شرطة وممثلين عن لمجتمع المحلى والأحياء السكنية ومؤسسات المجتمع المدني العاملة بالمقاطعة لتهدئة الصراعات فور وقوعها تجنبا لسقوط ضحايا.
 

 الخلاصة من هذه التجربة

في بلد عدد الجزر تقدر 17508ويبلغ عدد سكانها 280 مليون شخص ، كشفت تجربة اصلاح الشرطة الإندونيسية ، عن أهمية مراكز البحث والفكر بتصحيح مسار الشرطة نحو الديمقراطية، وثبت بأن (الإصلاح الفوقي) ليس كافيا لإعطاء نتائج مضمونة، وبالتالي كان التوجه (بالإصلاح من الأسفل) الذي ثبت نجاحه عبر التشبيك مع مراكز الشرطة من خلال التدريب المستمر للأفراد البالغ (عددهم اربعمائة الف ) وتقدم الاستشارات والتشجيع على بناء جسور بين المجتمع المحلى والشرطة.