حسان الحديثي 

نظرة فكرية في القصيدة الفلسفية "هبطت اليك من المكانِ الارفعِ" للفيلسوف الطبيب إبن سينا

المدخل:

تنقسم علوم الدنيا الى قسمين:

علم تطبيقي: يعتمد في غالبه على الموجود الذي يُستدلُّ عليه بموجود، وهي علوم يتوصل اليها الانسان من خلال نظرية الافتراض ثم تصويب الافتراض بالتجربة وتصحيحه بالحجة والبرهان والذي وصفه ابن سينا بـ"المشهور" كعلوم الطب والرياضيات والفلك وغيرها من العلوم المعروفة والتي تبدأ كافتراضات ثم تتحول الى حقائق بعد اثباتها بواسطة العلم المحسوس لتتحول الى حقائق مشهورة كنظريات في الفيزياء والكيمياء والجغرافية مثلا كسرعة الضوء ومحيط الارض وغيرها من نظريات الامس التي باتت ثوابت اليوم. 

وعلم نظري: لموجود لا يُستدلُّ عليه بموجود للغموض الذي يكتنفه والتي كلّتْ العقول بالوصول اليه بالمنطق والتطبيق فلجأت اليه بالفلسفة وهو ما اطلق عليه بـ "المستور" ؛ كعلم الروح ومعرفة ما قبل الوجود وما بعد الموت والوصول الى حقيقة النفس والفطرة التي فطرها الله. 

والفطرة احد العلوم التي كتب فيها كثير من فلاسفة العرب وقد تحدث عنها "ابن طُفيل" في شخصية "حي ابن يقظان" والذي اراد من خلاله اثبات ان الانسان انما خُلق على الفطرة ولو ولِدَ وليدٌ في مكان منقطع -في جزيرة نائية مثلاً- بلا بشر يتعلم منهم ويأخذ عنهم ويقلدهم ويتشبه بهم وبلا ابوين "يهوّدانه أو ينصرانّه" لبقي على الفطرة التي فُطر او "خُلق" عليها ولقادته الطبيعة الى عبادة الله والخضوع لوحدانيته والتسليم بربوبيته توافقاً مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".

وقد تأثر بفكرة حي ابن يقظان كتّاب غربيون بعد ترجمتها لتظهر روايات وقصص متأثرة بها منها على سبيل المثال شخصية "طرزان" وشخصية "ماوكلي" فتى الأدغال وغيرها.

وبالعودة للروح في عالم الفلسفة فإن النَفْسَ -ايَّ نفسٍ؛ بشرية كانت ام غير بشرية- هي اتحادُ روحٍ بجسد لزمن معلوم عند الفاطر "او الخالق" مجهول لدى المفطور "او المخلوق" وهما -اي الروح والجسد- منفصلان لا محالة وإنَّ التحامهما لفترة زمنية محددة واقتران مؤقت يتوافقان فيه فيتحدان ثم يتنافران فينفصلان بالموت "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا" وهذه النفس كانت قبل ذلك روحاً في عِلم الغيب وجسداً في عالم العدم وهذا ما فسره الحديث النبوي " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان "قيل انه عرفة" فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم فتلا فقال : ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا

وهذا الحديث ايضاً يفسر قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ.

الـمـتـن:
يمثّل الموت للانسان مشكلةً وسراً على مدى الزمن من الأزل والى الأبد. 

أما المشكلة فبأمرين الاول كونه لا سبيل منه الا اليه، والثاني استحالة العودة منه الى الحياة

واما السر ففي خوف الانسان من جهله بما ورائه فهو بين مؤمن بحياة بعد الموت فإلى خلود وسعادة كإيمان قدماء المصريين ؛ فقد كانوا يؤمنون بحياة بعد الموت ويكتبون على جدران معابدهم التي يبنونها بهندسة عجيبة كقبر الملك المتوفى: "إنك لن تموت.. هذا الملك لن يموت" وقد كانوا يعتقدون شديد الاعتقاد في البعث والخلود.
او الى جنة و جحيم كما في الديانات السماوية المتعاقبة.

وبين مؤمن بأن لا حياة بعد الموت وان الانسان ذاهب الى العدم الذي ليس وراءه الا العدم. 

وحين اصاب الكللُ عقلَ باسكال الفيلسوف الفرنسي من التفكير في الموت وتعليل ما بعده قال: لا خير لنا في هذه الحياة الا ان نأمل في حياة اخرى، أما نيتشه الالماني فقد رأى الموت بنظرية العَود الأبدي التي تقول بإن كل شيء يموت وكل شيء يعود وكل الاشياء حتى نحن انفسنا كنا مرات عديدة لا حصر لها حسب اعتقاده، أما الفلاسفة العرب فقد تأثروا بكلام القرآن واخذوا منه في تعليل كثير من الامور التي التبست على غيرهم، ولأن ابن سينا درس ثم نبغ في الطب وتعلم أيضا الفلسفة فانه يستخلص من العِلْمين ان الشفاء فرعان: شفاء الاجسام بالطب، وشفاء الارواح بالفلسفة.

وأبياته التي نحن بصددها هي حديثٌ عن عالم الروح بنظرة ادبية فلسفية يحاول من خلالها تقريب فكرة الروح ونزولها الى الاجساد ثم مفارقتها الى عالم الخلود مرة اخرى، ويجب العلم ان القصيدة قد بان فيها نقص وزيادة ويتبين ذلك من الاضطراب في معانيها والارتباك في الترابط بين ابياتها والذي يدل على ان القصيدة طرأ عليها طاريءٌ لعله بعمد وتقصّد او لعله لعدم التدوين والتوثيق بالرغم من ان الحقبة التي عاش فيها ابن سينا حقبة مزدهرة بالتدوين، لاجل ذلك فان فيها ابيات لا تضيف الى بغية القصيدة وهدفها شيئاً وهي اقرب للحشو منها الى المعنى، فالأَولى تركها والتركيز على الابيات التي حوت المعنى والدلالة وجمعتْ بين علم ابن سينا وفلسفته والتي ارسلها على لسان شاعريته، يقول ابن سينا في مستهلها:
هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ ... وَرْقَـاءُ ذَاتُ تَــعَــزُّزٍ وَتَـمَــنُّـعِ

مفردة الورقاء مفردة رائقة تليق بوصف الروح الهابطة الى ابن آدم وتليق ايضاً بالمحل الارفع الذي تتنزل منه على المخلوق، وهي ليست جديدة فقد المح اليها ابو العلاء المعري من قبل بقوله:
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنْـ ... ـنَت عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ
صَاحِ هَذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْـ...ـبَ فأينَ القُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ

كذلك التعزز والتمنع فهما صفتان تليقان بالروح ايضاً رفعةً وعلواً ولو تمعنا بهذا البيت لوجدناه استهلال شاعر وليس استهلال فيلسوف فقد بدا فيه طبعُهُ كشاعر ووضحت صنعتةُ وغلب شعره على فلسفته كذلك في قوله: 
مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ ... وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَعِ

الاحتجاب صفة الارواح لأنها محسوسة لا مرئية ولا ملموسة وحجابُها في طبعها وخَلْقها فهي محتجبة عن الظهور في كلا الحالين في إسفارها وتبرقعها ولكن الغرابة تكمن في صفة الاحتجاب عن المقلة بينما الكلام عن الروح التي لا تدرك بالمقل بل تدرك وتحس بالعقول والقلوب ولو قال "محجوبة عن فكر او عن قلب لكان أجمل من قوله: "مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ" وأقرب وصفاً الى كنه الموصوف سيما ان وصْفه للاحتجاب كان للـ"عارف" والعارف بعقله وفكره اولى من مقلته فالمقلة للعارف محدودة اما الفكر فمطلق بلا حدود.

تبدأ النظرة الفلسفية في الابيات في قوله:
وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا...كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ

ان وصفَ وصول الروح الى الجسد "كرهاً" فيه اكثر من معنى فيجوز انه اخذ المعنى من قوله تعالى: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا" وقوله تعالى: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ" او لعله ذهب الى ابعد من ذلك وهو ان الروح والجسد يتنافران في أول الخلق فتكره الروح ان تكون فيه وتحبس داخله اذ انها تواقة الى عالمها العلوي فهو أصلها الذي اتت منه ومآلها الذي تعود اليه وفسّر بعضهم -من وجهة نظر فلسفية- ان بكاء المولود ساعة المولد ما هو الا اشفاق ابنُ آدم على نفسه وخيفته من الولوج الى المشقة والشدة والعنت المتمثل في الحياة، لكن ما ان تتلبس الروح وتمتزج مع الجسد حتى يُكوّنان نَفْساً واحدةً وهذه هي اشارته الثانيه بقوله: "وربما كرهت فراقك" ، فالانسان ساعة الموت تسلب منه روحه "الخالدة" سلبا وعنوة قال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ

فجعل الحياة نكرة هينة تغادرها الروح صاعدة الى عالمها العلوي الذي لا يزال امراً غامضا مبهما لم يستطع اي من البشر ان يصل الى كنهه ويقف على حقيقته وأما الجسد فيذهب مرة اخرى الى دار العدم الذي جاء منه وهذا ما يفسره بيته الرابع الذي يقول فيه:

أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ ... أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـعِ

فقوله انفت اي ترفعت عن الامتزاج بالجسد لانه محض عدم آتٍ من عدم ذاهب الى العدم، لكنها حين الفته أنِست مجاورة هذا الخراب البلقع وقد وصف الجسد بالخراب لان مآله الى البِلى فما قولك في شيء يكون اعلى مراتب اكرامه أن يدس تحت طبقات التراب؟ ثم تلقى عليه جَلامِيد الارض ويثقّل بالصفائح والاحجار، أما وصفه بالبلقع لانه آيل الى قبور نائية في ارض بلقع لا يبقى منها سوى آثار ارماس تحوي على أَعجازٍ خاويةٍ وبقايا رممٍ باليةٍ راكدةٍ لا يألفها الا ثعلب ماكر او بوم صافر.

تَبْكِي إِذَا ذَكَرَتْ عُهُودًا بِالْحـِمَى ... بِمـَدَامـِعٍ تَهـْمِي وَلـَمـَّا تُقْلِــعِ
وَتَظَلُّ سَاجِعَةً عَلَى الدِّمْنِ الَّتِي ... دَرَسَتْ بِتِكْرَارِ الرِّيَاحِ الأَرْبَعِ

وحَمامٌ سَواجِعُ، اي باكيات وسَجْعُ الحمامة بكاؤها وتقول العرب سجَعَت الحمامة إِذا غنت وطَرَّبَتْ في صوتها وفي البيت تكرار للمعنى في الابيات التي سبقته وهو بكاء الروح على ما فارقت من بقايا الأجساد وانها لم تعد الا دمنا تذروها الرياح ويسفها التراب من جهاتها الاربع.

سَجَعَتْ وَقَدْ كُشِفَ الغِطَاءُ فَأَبْصَرَت
ْمـَا لَيْـسَ يُـدْرَكُ بـِالعــُيـُونِ الهُـجَّـعِ

قال رب العزة مخاطبا ابن آدم: "لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" قيل هو انكشاف الحجب أمام الانسان ساعة الموت فيرى ما لا يراه غيره وقيل انكشاف الحجب عند البعث حين ترد اليه روحه ومن جميل المعنى ان يفرق هذه العين عن عين الدنيا فعين هاجعة اي تنام وعين الانسان بعد ان ترد عليه روحه لا تهجع ولا تنام فقد انقضت ايام الحياة الاولى وانتقلت الى دار لا نوم فيها ولا كرى.

فَلِأَيِّ شـَيْءٍ أُهْبـِطَتْ مِنْ شـَامِخٍ
عَالٍ إِلَى قَعْرِ الحَضِيضَ الأَوْضَعِ

هبوط الروح من الشامخ الى الحضيض الاوضع هو رأي يستند الى ما تقدم من القول من ان عالم الارواح هو عالم علوي وعالم الحياة هو عالم سُفلي وفي ذلك كثير من الاراء منها دينية فلسفية ومنها فلسفية بحتة تخضع للعقل البشري دون الرجوع الى النصوص الدينية وابن سينا يمزج بين الرأيين فتساؤله واستفهامه في قوله:

إِنْ كَانَ أَهْبَطَهَا الإِلَهُ لِحِكْمٍَة...طُوِيَتْ عَنِ الفَطِنِ اللَّبِيبِ الأَرْوَعِ

فَهُبُوطُهَا قد كَانَ ضَرْبَةَ لاَزِبٍ ... لِتَكُونَ سَــامِعَةً بِما لــمْ تَسْمَعِ

ضربة لازب كناية عن الخلق من الطين او تفسير لقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ 

فهو يقول اذا ما نظرنا الى الخلق نظرة فلسفية نجد انه لتعلم هذه النفس -التي هي جسد بالٍ وروح خالدة- لتعلم الحياة وتدرك الحكمة منها ثم لتقدم للحياة الآخرة وهذا ما اراد قوله في البيت التالي:

وَتَعُودَ عَالِمَةً بِكُلِّ حَقِيقَةٍ ... فِي العَالَمَيْنِ فَخَرْقُهَا لَمْ يُرْقَعِ

فتعود هذه النفس كلمحة برق تأتي وتذهب عجلى سريعة كسرعة البرق اذا ما قيس عمرها بعمر الاكوان وتوالي الازمان فماذا سيمثل عمر احدهم وهو يعيش -ان عاش- ستين او سبعين عاماً؟

ماذا تعني حفنة سنين بالنسبة الى عمر الكون وهو منطلق من الأزل وماض في الحاضر ومنطلق الى الأبد؟ انه في سرعته محض لمحة برق، ولن يكون اكثر من نسي منسي بين اعمار المليارات من النفوس والارواح والاجساد الماضية البالية ثم القادمة التي لم تولد بعد، لاجل ذلك قال في ختامها:

فَكَأَنَّهَا بَرْقٌ تَأَلَّقَ بِالحِمَى ... ثُمَّ انْطَوَى فَكأَنَّهُ لَمْ يَلْمَعِ  

ولله در المعري وهو الفيلسوف الشاعر الذي ادرك بفكره مالم يدركه غيره بفكرٍ وعين حيث قال:

خَفّفِ الوَطْءَ ما أظُنّ أدِيمَ الـ...أرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ

وقـَبـيـحٌ بنَا وإنْ قـدُمَ العَـهْـ ... ـدُ هَوَانُ الآبـَاءِ والأجْـدادِ