احمد غالب..
ما شهده العراق من تطور ملحوظ مع منتصف الخمسينات والذي امتد حتى منتصف الثمانينات هو استثمار للعقول العراقية التي وضعت اللبنات الاساسية لعملية صناعة الحضارة هذه بداية من العصر الانتقالي (منتصف القرن التاسع عشر)و عصر النهضة (أواخر القرن التاسع عشر بدايات القرن العشرين)حتى عصر
الموجة الجديدة والتي توقف صناعة الحضارة عندها ونفذ خزين الاستثمار الذي كنّا قد استخدمناه وبداء ينفذ ويقل حتى أعلن انتهائه في التسعينات بموت علي الوردي والجواهري رحمهم الله .. ولنبداء من حيث انتهى المطاف بِنَا وما ألت اليه اوضاع العراق على مختلف الاصعدة بهذا السؤال المهم ولعله الابرز كيف يمكن صناعة الحضارة العراقية من جديد ؟ لاسيما وان ظروف صناعتها في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم تكن سهلة البتة بل ربما كانت اصعب مما نمر به الان ..
لكن اعتقد ان ثمة في ذلك الوقت طموح وامل لدى ذلك الجيل في بناء وطن كان عبارة عن ضيعة خلفية تستنزف طاقاتها البشرية والزراعية والحضارية السلطنة العثمانية .. وهذا الطموح والامل يبدوا وكأنه شبه مفقود في ضوء المعادلات السياسية والحروب العبثية وظاهرة عدم المحاولة في سبيل صناعة الحضارة من جديد.. فالشعوب الحية وهي الشعوب الطموحة الشعوب التي تكافح تبقى تؤمن بالامل حتى وان كان بعيداً فهو يتلألأ امام ناظريها..هذه الشعوب تعلمت على الاستمرارية مهما وضعت أمامها من عراقيل ومهما مرت بخيبات فاستمراريتها مستمدة من نظرية المحاولة والخطاء .. تحاول وتخطاء ثم تحاول فتخطاء فتحاول مرة اخرى وربما تخطاء وتستمر هكذا دواليك حتى تنتصر وتصل لمبتغاها..
التطور السريع والقوي في عجلة الحضارة العراقية وخصوصا ما شهده العراق منذ منتصف الخمسينات حتى بدايات الثمانينات هو نتاج جهد ساهم به صناع الحضارة من مفكرين ومثقفين وفنانين تشكيليين و مهندسي عمارة وأطباء وغيرهم وهذا التطور كله نابع من جيلين حتى وصل الجيل الثالث فتوقفت العجلة عنده مصطدمةً بعراقيل حالت دون تطورها ومواكبتها من حالات عدم الاستقرار السياسي والصراعات الدموية حول السلطة ..
عجبتني جدا ًمقولة للمفكر المصري يوسف زيدان قال فيها : سبب تدهور الثقافة المصرية ان بعد موت طه حسين لم يأتي من يكمل دور طه حسين كذلك الحال بالنسبة لنجيب محفوظ او توفيق الحكيم وغيرهم من الرواد الاوائل من بناة الحضارة المصرية الحديثة ..
وهذا ما نستطيع ملاحظته في العراق فبعد موت الرصافي ومحمد مكية وغائب طعمة فرمان او فوأد التكرلي او محمد مهدي البصير وغيرهم لم يظهر جيل اخر استمر على منهجيتهم في رفع المستوى الحضاري او بمعنى ادق لم يأتي ورثة حقيقيين ليخلقوا نماذج من هذا الرعيل الذهبي او على الأقل من يحي فكرهم ..
المفكر الايراني علي شريعتي يرى ان انحسار التطور والحضارة وانحدارها يعود لنظرية النظام والحركة ..
وتقول هذه النظرية ان اي فكرة او عادة اجتماعية او دين او حضارة ان اخذت شكل النظام بمعنى انها توقفت على حدودها التي رسمتها لها ولم تتطور او تجاري التغييرات الحاصلة بمحيطها ((وهذا ما يطلق عليه بالحركة)) فإنها ستختفي وتنتهي لا محالة..
و ما حصل في العراق مع منتصف القرن التاسع عشر بداء الانتقال من عصر الانحطاط الى العصر الانتقالي والذي ساهم بهذا الانتقال المهم عبد الغفّار الاخرس و محمد سعيد الحبوبي وملا عثمان الموصلي وَعَبَد المحسن الكاظمي و جواد الشبيبي وغيرهم فكان لهولاء المجموعة وغيرهم دور مهم في وضع اللبنات الاساسية لعصر النهضة العراقي الذي قاده بكل شموخ وقوة نخبة رائعة من الجيل الذهبي العراقي -وهم الجيل الثاني و ورثة العصر الانتقالي -مازالت أسمائهم وأعمالهم خالدة في الوجدان العراقي ك جميل الزهاوي و معروف الرصافي ومحمد رضا الشبيبي وعلي الشرقي ومحمد مهدي الجواهري وعبود الكرخي شعراً، و محمود شكري الالوسي وانستاس الكرملي و يعقوب سركيس وعباس العزاوي نثراً وتاريخاً ولغةً.. وغيرهم كثر لا يسعني ذكرهم الان لأرواحهم الخالدة الرحمة والشموخ ..
ورث جيلي عصر الانتقال العراقي وعصر النهضة العراقية الحديث جيل شاب يسمى جيل (الموجة الجديدة) الذي برز منه مجاميع ابدعت في الشعر والنثر والتاريخ والطب والسياسة والصحافة والفقه وما الى ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
بدر شاكر السياب، نازك الملائكة ، بلند الحيدري شعراً .. هاشم الوتري و صائب شوكت طباً ..سليم البصون و يوسف رزق الله غنيمة و ادمون صبري و نوري ثابت وأنور شاؤول صحافةً، علي الوردي علم اجتماع ،طه باقر تنقيب وآثار ،عبد الجبار عبدالله فيزياء ذرية وغيرهم كثر في مجلات اخرى ..
فبسبب انعدام الاستعداد لاحياء فكر هذه القامات اضافة الى الصراعات السياسية بين ساسة العهد الملكي والصراعات الدموية بين الأحزاب السياسية في العهد الجمهوري والحروب العبثية اضافة الى عدم الاستمرارية في الحركة لكل ما أنتج في العقود السابقة والتقيد بها كنظام والاكتفاء بها قادتنا الى التخلف الذي نحن فيه وعدم تجربة المحاولة والخطاء التي تعتمدها الشعوب الحية في انتشال أوطانها من غياهب التخلف والرجعية ووضعها على الطريق الصحيح نحو الحضارة ...
ملاحظة هناك اعلام بارزة في تاريخ العراق الحديث لم اذكرها أعلاه سأذكرهم في هذه السطور احتراماً وتقديراً لمجهودهم ولما ساهموا بِه في صناعة العراق وحضارته الحديثة وهم:
سليمان فيضي ،جعفر خياط ، مهدي المخزومي ،خالد القشطيني،محمد باقر الشبيبي ،يوسف العاني،لميعة عباس عمارة، مصطفى جمال الدين،محمد كاظم اليزدي،احمد شاكر الالوسي، محمد رضا الشيرازي،مار بولص،محمد حسين كاشف الغطاء ،مصطفى جواد ،ناجي معروف ، إغناطيوس تبوني،رفائيل بطي، رفعة الچادرچي ، محمد مكية ،ابراهيم الدروبي ، احمد سوسة،عبد الكريم العلاف،جلال الحنفي،جواد سليم،ناجي معروف، فؤاد جميل،مير بصري ،رزوق غنام، رزوق عيسى وغيرهم..
كل هولاء اعلام في الفقه والدين والشعر والنثر والصحافة والطب والاجتماع والقانون والتاريخ .. ولا اعتقد نحن كشعب يجب ان نكون نسخة من هولاء لنبني حضارة من جديد فالظروف تغيرت والمتغيرات متنوعة فعلى اقل تقدير ان نستمد من روحهم وافكارهم ما عجزنا ان نخلقه بانفسنا لنقوى على الحركة ونقلل الفوارق الكبيرة التي شقت بين مجتمعاتنا والمجتمعات الحضارية ..
وضعت مجموعة من الصور لاعلام بارزة في تاريخ العراق الحديث رحمهم الله جميعاً..
0 تعليقات
إرسال تعليق