محمد الوزان 

اثار انتباهي مقطعاً مصوراً عرضه برنامج البوصلة الذي يعده ويقدمه الإعلامي محمد السيد محسن على شاشة "أي ان بي " .. المقطع كان لأبو مهدي المهندس وهو يقول لصحفي إيراني وباللغة الفارسية انه يفتخر ان يكون جندياً في جيش قاسم سليماني ، وان وصيته ان يدفن في ايران . 
محمد السيد محسن علق كثيراً على هذا المقطع وأشار الى نقطة جوهرية تتعلق بالخلط "الممنهج" ما بين الوطن والدين فضاعت هوية الوطن واستباح الدين الحدود، وبات النائب السابق جمال جعفر "ابو مهدي المهندس" والذي يحمل صفة نائب رئيس الحشد الشعبي حالياً ، بات هذا الرجل لا يلتزم بقواعد الحدود الجغرافية بين بلدين جارين هما العراق وإيران ، بل انه ينظر الى قائد فيلق القدس الإيراني وهي مؤسسة حربية وأمنية إيرانية على انها مؤسسة مقدسة ومن حقه كمواطن عراقي وكمسؤول عراقي ان يكون جندياً فيها.  
ان الخلط بين مفهوم الوطن والدين اثر كثيراً على قدرة الإسلام السياسي الشيعي في إمكانية المحافظة على الحدود الدولية بين العراق وإيران ، أما سلوك قادة الإسلام السياسي الشيعي الذين تربوا في ايران ومن هناك عارضوا نظام صدام حسين ، سلوكهم بات لا يعتبر التواجد الإيراني في العراق بانه يمس دولة العراق وإنما هم يعتقدون وبشكل ممنهج ويحاولون تسويق اعتقادهم بان العراق وإيران دولة عقيدة واحدة وليس دولتين. فهم يركزون على البعد العقائدي في تمييع الوطنية وبالتالي فهم يتفاخرون بايران وقادتها السياسيين ويعتبرونهم اداة ضمان لوجود العراق ، بيد ان الحقيقة ان وجودهم في المشهد السياسي العراقي يستمد قوته وديمومته من تاثير ايران في الواقع السياسي العراقي وتاثيرها الكبير على وأد كل ما يمكن ان يجعل من العراق دولة يفكر قادتها وأصحاب القرار فيها بمنظومة عراقية خالصة دون شائبة إيرانية او غيرها. 
وهذا كله يصب في خانة الحرص الإيراني على قلب معادلة إقليمية ثابتة وهي : العراق القوي يعني ايران منافسة .. لذلك فان قلب هذه المعادلة وجعل العراق ضعيفاً يحول العراق الى جسد بال ودولة فاشلة غير قادرة على المنافسة وبالتالي فإن تبعية الضعيف للقوي هي المعادلة السائدة في العلاقة بين العراق وإيران اليوم.
ومن المثير ان هذا الأمر لم يعد حكراً على الأحزاب الشيعية في العراق بعد احتلاله عام ٢٠٠٣ حيث تمددت هذه الحالة الى بقية مكونات العراق السياسية ، واستطاع المغناطيس الإيراني في العراق ان يجعل من سنة العراق منقسمين الى سنة ايران وسنة اخرين ليسوا على الخط الإيراني . 
والأمر كذلك مع الأحزاب الكردية حيث ما زال الاتحاد الوطني الكردستاني يعتبر من التابعين لإيران في المشهد السياسي العراقي ، وأما السنة فقد اعترف احد قادتهم بان الإيرانيين استطاعوا جذب ما لا يقل عن 85% من السياسيين السنة الى خطهم ، لانهم هم القوة الأكبر على الارض العراقية ومن لم يلتزم بالخط الإيراني في العراق فان قطار المناصب سيفوته ولن يلحق الا بالهزيمة ، فترى ان الذين تمردوا على القوة الإيرانية في العراق أما مطاردون او مسجونون او انهم ابتعدوا عن المشهد خنوعاً أمام واقع لم يستطيعوا تغييره. أما السنة الذين يهادنون فقد حصلوا على مناصب عالي المستوى في المشهد السياسي العراقي وقد اتضح الأمر جلياً من خلال ترشيح محمد الحلبوسي رئيسا للبرلمان على حساب اسامة النجيفي الشخصية السنية التي تمتلك قدرة القيادة العالية ، لكن الأخير تمت تجربته ووقف نداً عنيداً للمالكي رجل ايران في منصب رئاسة الوزراء. 
كما استنزل الإيرانيون أصدقاءهم الشيعة من الموالين لهم وخصوصاً في تحالف البناء ، استنزلوهم الى تقريع عامة الشعب وتصغيرهم من خلال فرض خميس الخنجر عليهم في المشهد السياسي ليكونوا هم الكاذبين أمام قواعدهم الجماهيرية ، ويخرج الخنجر بطلاً سنياً وان كان قبل بأن يستظل بعباءة ايران في العراق.
 إذا اطلق أي متابع للشأن العراقي اليوم العنان لذهنه كي يستقرئ الأحداث يكتشف.وبسهولة جمّة ان العراق الإيراني هو هوية المرحلة ، على الرغم من ان العراق دولياً يعد أمريكيا باعتبار ان الذي خطط وقاد واتى بجنوده وأسلحته وذخائره الى العراق عابرا البحار هم الامريكان وهم الذين احتلوا العراق وهم الذين غيروا نظام حكمه خارج إطار الإجماع الدولي . الا ان العراق وفق كل المعطيات بات بعد عام ٢٠٠٣ إيرانياً بامتياز ولا يستطيع الأمريكان نقل حجر من مكان لآخر في العراق دون ان يحسبوا ايران ويعطوها دوراً في عملية النقل.