علي السوداني
أمّا جمال زهران ، فلقد قضى طوراً من حياته ، صحبة جمع من الصعاليك والمشردين في ألمانيا ، أيام جدار برلين الرهيب ، لكنه لم يحتمل الوحشة والبرد ، ومضاجعة العجائز البائرات ، لقاء سهرة ويسكي ممزوزة بديك رومي عظيم .
هو كاتب ممتاز ولمّاح وطيّب ، لكنه من الصنف الملول ، ويفضّل الجلوس بمقهى السنترال عشر ساعات ، على الصمود في جريدة باب رزق ، سبع ساعات كلّ اسبوع .
إنه مدخنة تمشي على قدمين بطيئتين ، فهو يقعد أول العصر قبل الصعود الى المقهى ، بحلق درج الكلحة المجاور ، ولن تراه إلا وكانت السيكارة تتدلى من فمه الجانبي ، حتى يخيل اليك أنه لا يستعمل القداحة سوى مرة واحدة عند افتتاح علبة الدخان .
من منغّصات ومنفّرات زهران هي أنه كلما رآني ، فسوف يعيد عليَّ نفس الاسطوانة المخلّة بالأمل ، وزبدتها سؤاله عن صحة جسمي ، وإنْ كنت أعاني من سوء تغذية أو مزاج .
هو يقول هذا بوجهٍ كئيبٍ ، وشفة سفلى نازلة ، وبطء مزعج في علك الحروف ، حتى يصيبني بإحباطٍ قاتلٍ ، لكنّ ذلك لم يمنعني من دفع سعر قهوته في المقهى الجميل ، كلما كان الجيب منفتحاً على خراخيش عملة فائضة .
مرة دخل جمال الى المقهى ، ملولحاً بيمينه حقيبةً عتيقةً ، وسلّم على الجلاس اليوميين سلاماً هائلاً ، ما كان ليفعله قبل تلك الواقعة .
لقد قرر الولد الصعلوك أن يبيع قطع شوكولاته وبسكويت من النوع الرخيص ، وكان يمر على الزبائن ، بظهرٍ منحنٍ وعاطفةٍ عجوزٍ مغدورة بفلمٍ هنديٍّ قديم .
المشترون قليلون ، ودائماً منشغلون بلعبة الورق المرعبة ، ودعبلة الزار على أمل الدوشيش المخلّص ، لكنّ حصاد أخير الليل ، سيوفر له ثمن ربعية العرق والمزّة سكائر وهواء .
في واحدةٍ من تجلياتي العظيمة ، قدمت لصاحبي جمال نصيحة بوزن جبلٍ من ذهب .
قلت له اتركْ رواد المقهى المفلسين ، وهاجر صوب الحانات الخمس المزروعة بخاصرة عمّون الحلوة ، وهناك ستجد من يشتري بضاعتك البائسة ، خاصة إن باغتهم قبل كرع الكؤوس الأخيرة ، حيث أوشال كلماتهم الحميمة والتحدب العاطفي الكبير ، وإذ تشهر على سور موائدهم الكلثومية النواسية الرائعة ، قطعة شوكولاته ملونة ، فسوف تجعل ذاكرتهم تنطّ فوراً صوب أطفالهم ، وسيشترون منك كلَّ أثاث حقيبتك ، وهم على سعدٍ مبين .
نجحت الخطة المدهشة ، وردَّ عليَّ جمّولي البطيء بعزومة فاخرة ، وكما هي عادته الراسخة النابتة ، لم يستمر طويلاً في الأمر ، وعاد ثانيةً إلى مجلس المقهى ، مكرراً عليَّ نفس الأسئلة السخيفة الباردة .