علاء الخطيب 

لم أتعرف على المدنية عن قرب حتى وطأت اقدامي ارضها وتعايشت مع مجتمعها ، وبالرغم من هذا كله لم يطرق سمعي طيلة وجودي في هذا المجتمع الذي ناهز العقود الثلاثة كلمة المدنية ، بل وجدتها وتعرفت عليها كممارسة عملية، ليس هناك اي حزب او تكتل سياسي يطلق على نفسه صفة المدني.    

كل الأحزاب الأوربية لم تصف نفسها بالمدنية ، لانها تعلم ان المدنية هي التعامل الحضاري الإنساني في المجتمع . 
المدنية أسلوب حياة ليست حزباً أو تياراً بل هي ثقافة اجتماعية ترفض كل الهويات الفرعية لصالح الهوية الانسانية .... وهذا يعني أنّ الأفراد في المجتمع المدني لا يُعرَّفون بدينهم، أو مهنتهم، أو مالهم، أو إقليمهم، أو سلطتهم، إنّما يُعرفون بشكل قانوني اجتماعي على أنّهم مواطنون، أي أعضاء داخل المجتمع لهم حقوق، كما عليهم واجبات، ويتساوون مع بعضهم فيها.
المدنية تحترم الدين وتعتبره رافداً للطاقة في المجتمع وترفض استغلاله، المدنية لا تسمح باستخدام الدين كوسيلة للخداع وتحقيق مكاسب سياسية  
المدنية تعني ثقافة السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، 
المدنية تضمن حقوق جميع المواطنين، المدنية تعني ان لا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. 
المدنية تعني الدولة هي السلطة العليا التي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك. فالدولة هي التي تطبق القانون وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم.
لذا الضابط الرئيس في المدنية هو القانون الذي لا يعلو فوقه احد . 
المدنية ليست ضد العقائد ، لكنها تؤمن بان تكون في مكانها الصحيح ، كما تؤمن ان العقيدة هي خيار شخصي وحق يمارسه الانسان بحرية، لكن في الأماكن المخصصة لها. بمعنى انت مسلم في المسجد وتخضع لقوانينه ، ولكنك في الشارع انت مواطن تخضع لقانون الدولة ، وهكذا لو كنت مسيحياً او يهودياً او من اي ديانة او عقيدة لك حرية الاختيار والممارسة بحدودها القانونية. 
المدنية لا ترفض الاخر بل تقبله كما هو فهي تستوعب كل الأفكار .
فالمدني هو الإنسان المتحضر الفاعل والمتفاعل في المجتمع ، لذا لا يمكن ان يختزل بنموذج معين ،او بمجموعة معينة ، فالفلاح مدني والعامل مدني والموظف مدني وأستاذ الجامعة مدني وربما يكون رجل الدين مدني   
المدنية لا تعني الكراهية والشتم . 
البعض يفهم المدنية على انها صراع بين التحضر والهمجية . 
والبعض الاخر يفهم المدنية على انها صراع بين الدين والإلحاد. 
هي ليست صراعاً في المفهوم السلبي بل هي صراع إيجابي كصراع الأشجار مع الارض حينما تمد جذورها بحثاً عن الحياة. 
الحرية الفردية هي مرتكز أساسي من مرتكزات المدنية ، فلا مدنية دون حرية مقيدة بحدود حرية الاخرين . فالحرية الفردية مفهوم مقدس في المدنية ، لذا لا يسمح النظام المدني للحكومة باساءة استخدام القوة ضد المواطنين او ان تتدخل في حياتهم الخاصة . 
والحرية الفردية تشمل حرية التعبير وحرية المعتقد وحماية الخصوصية . 
فالمجتمع المدني مجتمع قائم على تقديس الحرية وهي اعلى قيمة إنسانية بشرط ان لا تتحول الى اعتداء وفوضى وشتيمة وسباب وافتراء .  
هذه القيم هي ثقافة التسامح ، لذا عندما نتحدث عن التسامح في الاديان اننا نتحدث عن المدنية على قاعدة لكم دينكم ولي دين . فأي صراع سلبي يدعو للكراهية والتنافر ويستخدم القبح كوسيلة للوصول الى أهداف سياسية او دينية او اجتماعية هو همجية مقرفة لا يمت للمدنية بصلة .