محمد السيد محسن
خرج صديقي من العراق خائفاً يتوجس خطاه ، حين همس احدهم باذنه : يجب ان تغير مكانك خلال دقائق وتغادر البلاد خلال ساعات ، لقد صدرت قائمة لقتل كل الذين تضامنوا مع انتفاضة تشرين ، وخصوصاً من الصحفيين والعاملين في الاعلام المرئي والمسموع ، ممن وقفوا الى جانب المتظاهرين، كن حذرًا لقد صدرت قائمة ب 700 اسم واخشى ان تكون من ضمنهم.
حين صارحني بما جرى كان قد تجاوز خوفه وتركه قرب السماء التي حملته بعيداً عن بلاده، اما أنا وحال سماعي بهذا الخبر فقد استعرت منه بعض خشيته التي غادرها في الوطن ، وبدأت ارسم سيناريوهات موتي ، او اختطافي ، واختبر -مفترضاً- قوة شكيمتي وقدرتي على التحدي، ولكنني سألته عن الأسماء المفترضة وهل يفترض ان أكون من بينهم ، فبادرني بالجواب : لو كانت القائمة تضم 20 لكنت انت احدهم.
دفعني هاجس الخوف ان أتساءل عن مسدسي كاتم الصوت ، او سكاكيني ، او أسلحتي الخفيفة والمتوسطة فلم اجد غير لساني وقلمي ، الأمر الذي دفعني لإطلاق اكبر علامة استفهام في حياتي لسؤال: ليس لدي الا الكلام والكتابة ، هل استحق ان اقتل لأني استخدم لساني وقلمي؟ وهل يستحق المرء ان يفقد حياته بسبب لسانه وقلمه؟ وحين حاولت ان أتحايل على إجابتي برزت صورة احمد عبد الصمد امامي وهو يتحدث بفيديو يسجله لنفسه ومن ثم يروجه ، فيتغنى بشجاعته الكثيرون ، لكن احمد اختفى الان ولم يعد سوى ذكرى وحسرة في قلوب من يفتقده، ثم إحاطتني الذاكرة القريبة بكثيرين لم يفعلوا شيئاً سوى انهم عبروا عما يؤمنون به ، لم يقتلوا أحداً كي يحاصرهم الثأر ، ولم يستهدفوا احداً بشرفه او بعرضه او بمقدساته كي يبيت له المتشددون ، ولكنه العراق ، ليس بين الرصاص فيه مسافة ، وليس بين الخوف والرعب الا بكاء ثكالى .
كثيرون يقتلون في بلادي ونعرفهم بصورهم ويشتهرون ويبكيهم الآخرون ولكننا لا نعرف قاتليهم.
كثيرون يسرقون من المال العام ولا نعرف سارقاً واحداً
كثيرون يتم اختطافهم ومن ثم تغييبهم الى الأبد ولا نعرف من اختطفهم.
يقول من يقف عند حافة طرفي النزاع الدائر في العراق انهم الطرف الثالث ، ولم يجرؤ احدهم على تحديد من هم.
ربما حاول احدهم وهو رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي تحديد من هم حين قال انه ابلغ عادل عبد المهدي بان أوامر قتل المتظاهرين تصدر من مكتبه ، وقال انه حذره ، ولكن علاوي مثلي ومثل غيري ترك الطرف الثالث دون تحديد .
ومن يقف الى جانب السلطة يقول ان القاتل يتمتع بدفع من أمريكا ودعم من مال خليجي، فيما يقول الذين يقفون في صف الجماهير ان الطرف الثالث هم كلاب السلطة الذين أوغلوا بدم العراقيين كي يستفيدوا هم وأسيادهم من مكتسبات ما يتمتعون به من سلطة .
انها لعبة الأرقام التي تحيق بالعراقيين حيث ان الطرف الثالث يقتل السلطة الرابعة ، دون اهتمام من السلطة الأولى ولا تحقيق من قبل السلطة الثانية ولا ردع من قبل السلطة الثالثة.
وما بين هذا وذاك يستمر مسلسل القتل الذي اوشك ان يفقد القاتلين روعهم وصمودهم ، ويزيد من تحدي الجماهير ، لانهم باتوا يدركون ان الدماء وفق المعطيات التاريخية جرفت السلطة ولم تجرف الجماهير

0 تعليقات
إرسال تعليق