حياة بن بادة
نختفي معا؛ دون أن نحجز في منشور صالة أبجدية، نقيم فيها عزاء فيسبوكيا، يليق بمقام البعد كما جرت هي الموضة، دون أن نحدث من حولنا فوضى، دون أن نكشف عن تذكرة الذهاب والإياب في العلانية، دون أن ننسج من حروف الشجن جدرانية، نزيّن بها حائط العالم الأزرق، نلقي من خلالها خطابا مؤثرا؛ يحيلنا دون الجميع إلى الأرق، نعزف فيها شيئا من البيات وكثيرا من الصبا وبعضا من الحجاز والرصد، نتمرّن فيها على شعور الفقد، نفسخ بها مؤقتا ما لم نبرمه بيننا في عقد !
نهوّل الدنيا من حولنا، ثمّ ندّعي أنّه مجرّد فاصل! وبعد مروره حتما سنواصل، نعلن فيه غيابنا مسبقا للأصدقاء. الناس من حولنا يا شبهي يعشقون البقاء، لهذا هم دائما ينسحبون كما الجنود من أرض محتلّة، يحدثون صخبا وضجّة، الناس من حولنا يا شبهي يرسمون لوحاتهم بالطباشير، لم يصنعوا أنفسهم خارج المناشير، نسوا أنّ كبسة زرّ واحدة قد تسدل ستار المسرح وأنّ كلّ شيء من بعدها سيُفضح. يخشون أن يبقي البعد منصّاتهم دون صديق وأسماءهم دون بريق وأعناقهم دون ربطات عنق وحقائبهم دون ثياب، يحسبون ألف حساب للغياب، يخشون الأفول، يرهقهم الفضول، تضنيهم ثرثرة الصدور، يرهبهم طول الصمت، يعتقدون أنّ العالم سينتهي من بعدهم إلّا أنا وأنت، كنا نعلم يقينا مذ حفرنا لأرواحنا في تربة هذا العالم حفرة أنّنا لن نتّخذها كما الجميع من حولنا قبرا، الناس من حولنا ينسحبون مجبرين كالجنود المنهزمين في معركة ونتسّلل نحن منه كاللصوص، نتلّمس جدار الباب في عتمة هذا العالم الذي لم نستطع الانتماء إليه كالضرير، ونغلق بابه دون أن نحدث فيه الصرير، لطالما رطّبت لوحاتنا الزيتية خاطر الباب لهذا كان يطلقنا دون حساب.
مقام البعد يا شبهي في سلّمنا الحقيقي بسيط، ذو أصول طبيعية ليس يتخلّله تعقيد! إنّنا نختفي معا كحبّات المطر وكخيام الغجر، كألوان قوس قزح وكوميض الفرح، كوخز الأحزان ونهايات الألحان، كأسراب الطيور وبراعم الزهور، كالسفن في المحيطات وكالدلافين في الأعماق وكالظلال وكالقطرات في التراب. ونختفي فجأة كالنبض وكالقمر وكالحلم وكالطيف وكالسراب، كأبطال الحكايات، كرجال المخابرات وكالهتاف، كالكنز المسروق والمفاتيح المنسية.
روحي لو تدري يا شبهي في غيابك اليوم مهملة، من فقدك تعود إليّ مساء بالشوق مثملة، روحي لو تدري تحتاج لشحن، فهل سنظهر معا في واقعنا نحن؟ هل سنودّع البلد البعيد ونبزغ كالشمس فجأة من جديد وحيثما نريد لا حيث يريد البريد وحيث الحرية تحيط بنا لا العبيد؟

0 تعليقات
إرسال تعليق