د. طالب محمد كريم

لاشك ان كل عملية تشييد ، يسبقها ، وضع أساس متين وقوي قابل للضربات والاهتزازات بل حتى الارتدادات التي تأتي بسبب عدم الإحاطة التامة والكاملة بتركيبات الواقع وتغيراته ، وبما ان العمل السياسي يعتمد على إطار مضلّع من الأفكار السياسية،سواء التاريخية منها -وأعني بها ما ينتمي للتجارب الماضية- ، او المعاصرة والتي ولدت وفق مفاهيم (مابعد الحداثة) ، ويمكن ان
نصنفها ضمن نقد البنية الفكرية و نقد النقد ، التي جَعَلتَ من العقل السياسي أن يسلّم بأنّ مضماره الحركي لنشاطه الفكري، يحدد من خلال العلوم الانسانية، وهذا يعني ان الفكرة السياسية المعتمدة او المقولة المختارة من النصوص السياسية تبقى محلا" للإختبار على وفق التجربة الاجتماعية وعلى إمتداد كل المقولات أو المسلّمات من مباديء النظام الديمقراطي( العدالة الاجتماعية، المواطن، المواطنة، تنظيم الحقوق والواجبات .. الخ)، وما لا يصمد منها أمام الحركة السريعة والمتطورة لمسيرة الجماهير التي تعمل وفق رؤية: (ان المستقبل ينبغي أن يكون أفضل من الحاضر)، يجب أن تعرض المقولات السياسية المعتمدة أمام العقل النقدي ووضعها تحت ضغط الصدمات المنطقية لتشخيص حالة الضعف منها وتحويلها الى مقولة نافعة للحراك الاجتماعي.
بعد كل هذا ، أودّ ان أسعف المراد من السؤال الافتراضي:
هل نحن أمام حالة أنوجاد؟ أو تكوين عقل نقدي ؟ والفارق كبير بين مفردتي الأنوجاد التي تعني حالة البحث عن المشخص العقلي المركب من نشاطه الحَسِن في ممارسة النقد، ومفردة التكوين التي تعطي انطباعا" ان العقل المؤلف من مجموعة الوظائف لم يأخذ دوره الحقيقي في عملية البحث والإنتاج المعرفي والعلمي.
وحرصا على إيجاز المقال ، نؤجل الخوض في إشكالية الإنوجاد والتكوين الى مقالات او نشاطات قادمة . 
وعلى هذا الأساس نطرح السؤال الآتي:
كيف يمكن ان ندفع بالعقل النقدي ان أخذ دوره ومن ثم الإستفادة منه في عمليات الفحص والتمحيص على أسس و مناهج علمية؟
جواب السؤال يمكن أن ينقل العقل السردي تلقائيا" الى تاريخ المجتمعات التي عاشت فترة متسلسلة من الأزمات العصيبة المظلمة والموحشة، ومحاولة الاستفادة من التجارب التاريخية والعملية في الانتقال السياسي والاجتماعي والثقافي والابداع والابتكار وصولا" الى مجتمعات منتجة يفوق إنتاجها الخط البياني لمؤشر الاستهلاك . وهذه الانتقالة او الاستعارة التاريخية تشكّل موقفا" قد تكون أصعب من المرحلة الاولى ( الحياة المتردية )، وتكمن صعوبة هذه المسألة بسبب حالة التماثل والقياس لعناوين عامة والعمل على تحويلها الى أرقام رياضية رمزية ( سيميائيات ) يسلب منها المزاج المناخي والتراكم الزمني للخط التقدمي من الممارسة السيكولوجية والبنيان التحتي من الموروث الثقافي والديني ، وبذلك لا يمكن لنا أن نستفيد من النتائج المقارنة للأسباب التي ذكرناها أعلاه ، ذلك ان استلاب الهوية المتكونة من جملة العناصر التي تدخل في تركيب البناء العقلي للفرد، وأعني العقل الشرقي العربي منها والعراقي على وجه التحديد، مكّون بالطريقة التاريخية، اي عقل مشكل من مواد الأدب والرواية والسرد التاريخي حتى أنتهت الى سيميائيات من الطقوس الاجتماعية ، مما جعل العقل ان يَرْجِع بكل مواقفه الى محطات تاريخية في محاولة جعلها مؤشرا" أو معيارا" لصحة حركته ونشاطه الفكري ، عازفا" عن الاستفادة من تحرير الإرادة وصناعة المستقبل الأفضل وفق نظرية التقدم التاريخي.
 وقد وثقت هذه الملاحظة إشكالية صعبة في كيفية تجاوزها وبقى العقل يدور في فلكٍ من الخطوط الدائرية يبدأ وينتهي عند نفس النقطة ، إذ يعود اليها مستشرفا" لمستقبل الاحداث من تاريخها الماضي سلفا"، والجدّة فيها عناصر التاريخ ليس إلاّ، كعنصر ( الانسان الفرد، وسيولة الزمن، وجزئيات المكان). مفاد ذلك ان في الدورة التاريخية أنّ الأفكار لا تتقدم ، يمكن ان تتراجع نوعا" ما أو أو تتقدم ضمن مجموعة محدودة وتتكرر هويتها ضمن أطروحة مستنسخة ليس فيها من جديد. وهذا ما دفع الكثير من الباحثين والمفكرين الى قراءة الواقع وفق أدوات جديدة ومقولات اثبتت مصداقا في انها تقود الحياة الاجتماعية .
وبعد هذا الاستعراض الموجز يطرح السؤال : كيف للعقل ان يمارس النقد وهو فاقد لشروط النقد ومقدماتها؟ كيف يراد للعقل ان يمارس دوره ، ولازال يعيش قصوره المتردد، اذ يقف خائفا" امام كاريزما النص.