حياة بن بادة
كنقطتين في إناء حرف التاء محصورة، كغيمة في كأس الأرض معصورة، كامرأة في البيت مقصورة، كحجرة معزولة سمّوها مقصورة، كجدار أبكم تثرثر في صدره صورة، تجلس عيناك في كرسي الاعتراف مكسورة، كلّ ما فيها مغري، كبلاد عربية تسرد واقعها المزري، وكالمذكرات في صفحات الكتّاب مأسورة؛ تجود مشاعر ممّا يتخيّرون، وحروف ممّا يشتهون، وكل ما تشتهيه أنت؛ أن تعود الأحداث من حيث أتت، وكل ما تتخيّره أنت؛ أن تستعيد أشياءك من غرفة اهترأت، كنت تحسبها إلى الطهر انتهت، فإذا بها انخدعت وبالخذلان تأذّت. أجليتَ الغرفة يا هذا؛ ولا زلت تتساءل لماذا، لماذا يخون الناس لماذا؟
هي القلوب يا صديقي إذا ما زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها، أحزان ودموع رهيبة، وخيبة تتلوها خيبة، تعيد تشغيل النهايات العجيبة كلما تملكتها ريبة وأخذت تحاول تكذيب الحقيقة، مجددا تحاول تقليب الوهم وتصديقه ولو لدقيقة، تتحايل على اللحظات الكئيبة تلك التي اشتعل لأجلها شعور القلب شيبا!
هي الروح يا صديقي حين تُرجّ فينا رجّا لتصفعنا، وتزيل مفعول التخدير عنّا؛ ذاك الذي جعلنا نشدّ يد الخيال حتى أرْدانا مخاذيل؛ نذرف الدمع خفية على صدور المناديل، كأن الحياة لتوّها فينا دبّت، وما قبلها موت ما كنا نشعر به لولا الخيبات التي هبّت. هي الروح التي أهديتها يوما للذين قالوا إنهم متجهون صوب حبّها واحتوائها وحمايتها، فما رعوها حق رعايتها؛ يوم أحالوك إلى الرتابة ويوم قدموك قربانا للكآبة. يا صديقي من ذا غيرك الآن؛ يرتو قلبا ذات حبّ لان؟ لم يدر يوما أنّ آفة الحب الخذلان!
تؤلمني عيناك كلما احتالت على الصمت، تؤلمني كلما بكت، تؤلمني كلما باحت، تؤلمني ضحكاتها التي ساحت، تؤلمني عيناك كلما صرّحت أنها تخاف، وكلما كشفت خباياها على كرسيّ الاعتراف. يؤلمني الحب فيها، يؤلمني الخذلان المتناثر كأوراق الخريف من مآقيها. تؤلمني وسادتك التي جاعت، تؤلمني غفوتك التي ضاعت، تؤلمني الأحضان التي باعت والأحزان التي ابتاعت!
يا صديقي مالي أراك عاجزا عن فض الذكريات، تجوبها غرفة غرفة، تلفها لفّا، تأبى أن توصد الباب خلف النهايات، تخوّل لها رفسك، تطعمها نفسك، إنّ أخطر مكان على وجه الأرض لو تعلم هو نفسك. اخرج من نفسك إن هي اعتلّت إلى برّ الأمان، فكسر الزمان ليس له من ضمان، والنفس كلّما تسمّمت بالأسى؛ تغذى عليها الجسد، إنّ النفوس كالنهر إن هي طابت "يشرب منه الكلب والأسد"، فلا تأسفنّ على ما مضى وانظر للحياة بعين الرضى. ولتنجو يا صاحبي بجسدك قبل أن يفسد.
 إنما البشر كالكيمياء، مركبات ومخاليط وغازات وماء، حب وكره وخذلان ووفاء، أفراح وأتراح، نسيان وتذكّر، مرّ وسكّر. ولكلّ واحد منا صيغة كيميائية تدعى ذات، يتفاوت فيها عدد الذرات، هناك المحبون جدا والكارهون قليلا وثلة من الأوفياء جدا وثلة من الخونة. هناك الحبلى أيامهم بالفرح والذين سوّدهم الترح. فينا التي هي بالصبر أو بالتعود صلبة وفينا التي هي بالدمع سائلة وفينا التي هي كالغاز مخفية، اكتست إطارا واتّخذت من الكتمان قرارا ومن العزلة اختيارا، ومن الناس ظلّت تتهرّب، لا أحد يشمّها حتى تتسرّب، صعب تحديد جسيمات نفسيتها وكيف تتحرك، فلتتأمّل يا صديقي وللتحمّل..