نعيم عبد مهلهل
اليوم رحلت ( نادية لطفي ) واحدة من ايقونات شاشة السينما العربية ، بعض أنوثة اساطيرها التي كانت تجلب للشعراء والروائيين شيئا كبيرا في التحليق في فضاء التخيل ، فليس من السهولة أن ينسى جيل السبعينيات من الروائيين عندما كانو فتياناً تستنهضهم قبعات جيفارا ولحايا ( ماركس وأنجلز ولينين وهوشي
منه وكاسترو ) واغلفة مجلات الشبكة والموعد وآخر ساعة والكواكب أن ينسوا بسهولة عدد القبلات التي طبعها فم المطرب الخالد عبد الحليم حافظ على الفم الشهي للممثلة الرائعة نادية لطفي . وكثيرا منهم من اخطأ في العد ولكنها تجاوزت اكثر من خمسين قبلة ، وكانت وقتها كافية لإشعال ثورة من الذكورة في وجه ( الميني جوب ) ، الذي كان سائداً وقتها ، ولحلت فينا كارثة اجتماعية لم يهدأها سوى ما سمنياه نصرا في حرب اكتوبر عام 73. وبعضهم قال أن اعلان الجبهة الوطنية التقدمية وتأميم النفط قد خفف من هذه الغلواء ودفعنا لنبتعد عن شهوة النار في فم نادية لطفي الى الافلام اليسارية مثل ساكو فانزيتي .والحرية هذه الكلمة الجميلة ، وجميلة لجنكيز اتماتوف ، وثورة ساباتو ، وسبارتكوس ، وأفلام اخرى خففت من جحيم أن ترى الرمل سريراً للمثلة المصرية وهي في لباس البحر وتمارس يوغا التقبيل على النغم الخالد لأغنية عبد الحليم ( اما رمنا الهوى والعشرة ..والي شبكنا خلصنا )..واذا كان صوت حليم واغراء جسد القبطية نادية لطفي هو من كان يخلصنا من ضائقة الروح والجسد والحاجة ، فمن يخلصنا اليوم بعد ان أشتبك كل شيء وتهنا مابين ( حانه ومانه ) وصرنا كما ( السدانة في الماء ) دائخون بين سرفات الدبابات وابواق حروب المخافر وربايا الثلج وعولمة الدولمة وتذبذب الرواتب وفروقاتها ، فلم نعد نذكر من فيلم ابي فوق الشجرة أي لقطة ، وعبد الحليم صارت عظامه طحينا ونادية لطفي عجوزا رسمت عليها الشيخوخة تجاعيد الذكريات وفضلت أن لاتري كاميرات التصوير وجهها الذابل.
وبالرغم من هذا انا من القلة الذين يتذكرون تلك اللقطات وذلك الفلفل الاحمر الذي صبغت فيه نادية لطفي شفتيها وصار يحرقنا كما حرق سجائر التعذيب في زنازين التحقيق أو ونحن نتلوى على مصاطب الخشب في السينمات الصيفية ، فيما كحل عينيها يذكرك بالسواد الذي سبا العباد واعلن الحروب وصار دشاديشاً على اجساد عوائل الضحايا الذين غص فيهم التابوت التاريخي الملفوف بعلم العراق منذ زمن السلالات السومرية وحتى زمن كوندليزا رايس.
بين زمن نادية لطفي ، وزمن الفلفل الذي يكوينا بألف محنة ، كنا نكتب احلام رواياتنا مابين مهجر وقطع مبرمج ، نعيش حياتنا ، حياة لا تخلو من الأمل المتفائل والخيال ،ليس لأن هذه المنعشات بضاعة الفقير كما يقولون ،بل لأن الله خلق في البشر الأمل قبل أي هاجس فقط لأجل ان ينظر الى الأمام ، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ..هكذا كان يقول الشاعر ..وفي صبانا كنا نقول ..ما اتعس الحياة لولا شفتي نادية لطفي ..!

0 تعليقات
إرسال تعليق