ولاء العاني

 اقتلعت الربح احدى الاشجار من جذورها لتكشف عن صندوق مدفون تحتها . وبعد أن هدأت العاصفة إجتمع اهل الحي كبارا وصغارا فرحين فقد سمعوا عن الكنز كثيرا لكنهم لأول مرة يرونه ... اتفقوا إلا يخبروا السلطة . كان ثقيلا ولهذا حمله أربعة من الرجال الاقوياء حتى وضعوه على حافة الرصيف وقد علاه الصدأ... 
قالوا : يا إلهي انها مجرد اوراق ووثائق ودفتر ذكريات . ثم اخذ كلا منهُم احداها وراح يُدندن بصوت مَسموع ...
قال الأول : هذا دفتر المُختار لأنهُ مُدون فيه اسماء كل الساكنين في الحارة وابو محمد كان اولهُم . بعدها باع اخاه الكبير حصته من البيت وهاجر إلى ديار الغربة وبعده وصلت عمتهُم التي قيل انها هربت من فضيحة ابنتها وأشاعت في الحي إنها تزوجت ... اشترى المزرعة ابو سعيد . 
صرخ شاب كان يبحث بلهفة عن شيء بين الأوراق : اخيرا سآخذ ارثي من جدي . كان يعيش في فقر مدقع واضطر للعمل وهو في سن صغيرة ولم يتمكن من اكمال دراسته ...
اخذ احدهم حزمة من الاوراق القديمة التي تبدوا ليست ذات قيمة لكنه لم يأبه بمن كان حوله وعلا الصراخ والهرج والمرج فطوقوا المكان بالخيام لإخفاء ما يجري في الظلام وراح الرجل يقلب باهتمام ما كان يبحث عنه منذ أعوام والجميع كان يتهمه أنه ابن حرام فقد تجنبوه ولكن ... هنا وجد ضالته فقد تزوج اباه من امه وهذا عقد الزواج ويمكنه الان اثبات نسبه حتى يمشي في الشوارع والازقة مرفوع الرأس ...
واخيرا وصل النسوة فقد جلبهُنَّ الفضول إلا واحدة كانت حريصة على البحث عن شيئا ما . عن خيوط لجريمة قديمة . وقعت عينيها على قصاصة ورق بالية قديمة وعندما همت لالتقاطها حملتها الرياح بعيدا فهرولت خلفها وراحت تكلمها وتقول : هدئي من روعك فانا لا أريد سوى براءة امي التي ذبحت رجلا حاول الاعتداء عليها فقلب اهل القتيل ذو الجاه والسلطة الوقائع واتهموها ظلما بعرضها ومات ابي بعدها حزنا وكمدا .... سقطت الورقة تحت قدميها فحملتها وعادت لتخبرهم إن الشرطة قد وصلت وعليكم بتدبر أمر الشجرة وهذا الكنز الخطير .
هبَّ الشباب لردم الحُفرة . واتفقوا على ان يبيت الصندوق في بيت المعلمة التي لم تهنئ في نومها . وبعد ان رفع أذان الفجر سمعت صوت طرق خافت على الباب . دخلت عليها ام إحسان وطلبت منها ان تسمح لها ان تقلب مابين الدفاتر . وافقت بعد أن علمت ان الامر مهما بالنسبة لها وانتظرت حتى وجدت ضالتها في دفتر صغير كتب فيه المختار ان إحسان ليس ولدها من زوجها التي على ذمته ... كادت تسقط من هول ما قرأت .
لتفيق الست أميرة من حلمها فلم يكن بين الجيران عائلة بهذا الاسم . تصببت عرقا وتنفست الصعداء وقالت في نفسها ماذا جرى لي ؟
أشرقت شمس الصباح وبدأت بتجهيز الفطور فهي تتوقع ان يجتمع ابناء الحي عندها ... أدارت جهاز التلفاز لتعرف ان كان الخبر قد وصل السلطات .. كان الاول خبر زيارة رسمية لاحد المسؤولين والثاني وضع خطط لإنشاء مدارس محو الأمية والثالث انتبهوا أيها الشعب المسكين والعواصف القادمة أكثر ... قالت بصوت عالي : كم شجرة ستسقط لتكشف لنا عن كنز دفين . كان اخر الاخبار في النشرة الرياضية فوز السباح الروسي بالمدالية الذهبية ... لم تفهم لكنها سمعت المذيع يقرأ انه سيتم اليوم تفتيش المنطقة وهنا كان لابد للمختار ان ينفذ ما اتخذه من قرار ففتح سجلا ضخما وبدأ يدون فيه : ان فلان كان عميلا للأمريكان وشقيقه للإيرانيين وابن عمه كان قاتلا ماجورا وشقيقه سرق اقوات الناس . وجارهُم كان اول من قاوم المُحتلين وثبت حتى النهاية وشقيقه من الشهداء . كل شيء مدون .
ثم اشعل الحطب في الموقد وبدا يرمي الاوراق ليخفي اسرار الناس ... الا من ساهم في قتل شعبه وتدمير بلده . انتهى منها قبل ان تقرر الريح اقتلاع شجرة اخرى لتنشر لنا اسرار ومفاجآة جديدة فالتأريخ مليئ صفحاته بالاعاجيب .