حيدر ناشي آل دبس 

ذات صبياً ما.. في سالف الفكر والجموح، كان يختبئ في غياهب الصمت المتنطع للمفردة الكاسرة لجدار الوقت.
تملؤه الحياة بالأمل المتجليّ في أحاديث الأولين. 
خطوة بعد أخرى يسحبه عقله الفارغ للمحتوى الجامح الذي يُسرد على مسمعه، فبين تضحية شاب بحياتهِ من أجل مبدأ قد آمن به، وبين فتاة تتعرض لما يُخجل وهي شامخة كالنخلة الجنوبية الأصيلة. 
بدأت التساؤلات، وأولها ماهو المبدأ؟ ماذا يعني؟ وبعد المضيّ في الاستماع والنزر اليسير من القراءة حينها، وجدت إنه الوجود في اللاوجود، الجوهر في التسطيح المستشري في أروقةِ الذهن اليومي. 
أخذت الخطوات تتسارع نحو الارتماء في حضن القادم المبهم، وليس هناك في هذا التطلع سوى التعرّف أكثر على البدن الذي كان مندثراً في مساحات المنافي الكثيرة. 
أنخرطتْ كل ملامحي وجوارحي في هذا الفكر المتصالح مع ذاته. مالئُ الخزان العقلي بمزيدٍ من الأحجيات الفكرية الطامحة لبناء الإنسان، فكانت السعادة تغمرني بالعمل الذي أقوم به، فالحالة التي كنت فيها ليس سياسية، وإنما تعرّفاً على الذات المتلاشية، إذ كان بحثاً وجدانياً عن نسقٍ تتمحور حوله النفس البشرية. 
في خضّم هذا التجليّ الكهنوتي، تصارعت مع الكلمات في عائلة الكتب من أمهاتها إلى أقربائها المتزلفين في أطراف المعنى، فالرؤية تطرفت مع وسع العبارة، فكان الاصطدام في مطب الصواب والخطيئة أكثر مايرهقني، وكأنما أنا الذي لا ينتابه الخطأ قيد إنملة، حيث منحت نفسي حق تقرير المصائر الفكرية، وهو ما يسمى قمعاً في لغتنا العصرية، قد أكون محقاً في الأحيان الكثيرة التي صدح فيها صوتي، لكن كنتُ قيمومياً وهذا ما لا يقبله المتحرر الذي بمواجهته، وهو محق بالتأكيد النسبي. 
تنطعتْ للموقع، فوصلت إليه، لأجد خرائب الأنفس البشرية تتجلى أمامي، عابثة بمواقف التاريخ، قامعة للصوت المغاير، وحينما حاولت التحوّل تماشياً، وجدت الريبة تنهش الموقف. 
توجهت ملامحي للذين ترافقت معهم، فوجدتهم متوجسين، لكنهم لايجرأون على الافصاح بما يعتمل بخلجاتهم. يبحثون في مواقف الاخرين عن نجّادة تقيهم الغرق. 
فلم يكن غير كاتب هذه السطور، الصارخ في وجه التملق بطبيعتهِ، ليكون قذيفة تُطلق على تجمعٍ من الزيفِ المتسوّرٍ بشرعيةٍ شكليةٍ، يدعمها صوتاً منغمساً في التاريخ، يحاول الحفاظ على شكلٍ منبهرٍ فيه، رسمه في مخيلته المتوقفة عند زاوية التضحيات الاسطورية. 
حينما كنتُ شيوعياً
حملت فكراً يتميز بالعظمة، متحلياً بجدارٍ لا يمكن أن يُهدم، ومازال كذلك. 
من دفعني لكتابة هذا المقال التردد والتردي في المواقف التي تحتاج إلى رأي حازم، إلا إنه للأسف غير متوفر في الوقت الراهن المرتهن للاكبال العقائدية والعلاقاتية المقيتة.