غدير الحدّي.

في صباح أكتوبري كانت راجعة أدراجها من المنزل حملت إليّ مهدوما ؛ فإذا بشظية وقعت عليها فصعق الناس وصاحوا يهتفون بالحوقلة؛ وكنت يومئذ خادما في محل خضار أقتات فيه وأُقيتها منه فلم يترك لي والدي المفلوك سوى الأخلاق. 


حين أُلقيت النازلة على مسمعي شعرت برعدة بين أضلعي وعدوت عدوا إليها؛ كنت أهرول بنبضات قلبي لا بقدماي ما إن وصلت إلا وقد فاضت روحها وقضى الله أمره ؛ خيم الذهول السابلة ووقعتُ على الرغام ملصقا وجهي به أذرف على رزيئتي أقلبةً من العبرات بين الفينة والأخرى فليس أحق بدموعي منها؛ حتى ظللتُ إلى اليوم أبغي يد الأقدار بالثأر.

فقدتُ من كانت تحميني من شرور الزمن وغوائله وأصبحتُ وحيدا لا مستقر لي ولا ملجأ بعد أن كانت عصمتي التي أعتصم بها؛ وجثم عليّ بعد ذلك همٌ كان يقعدني عن كل أمر .

فاستحال قلبي بعدئذ كالحجارة أو أشد قسوة وسلكتُ مسلك الشياطين وقصفتُ مع زمرة من الرجال حتى استلهاني مجلسهم وأخذت الأعوام من جسمي ومن عقلي ؛
فقد غدوتُ غاضبا أحدث نفسي بأشد أنواع الإنتقام من الذين غزوا البلاد وقتلوا العباد ؛فقمتُ بتهكير الحسابات الدولية واندفعتُ منتهبا أيام حياتي لأرى حلمي واقعا فاختلست الملايين من النقود عبر الإيميل آناء الليل وأطراف النهار وأسبغتها على أترابي المفلوكين الذين افتقدوا أرزاقهم إثر الحرب والذين جلوا عن وطننا مِن خلاني وأقاربي المقوين؛ وبذلك شعرت أن برد العزاء قد دب صدري واغتبطت في بادئ الأمر بذلك الإنتقام فأستسغت العمل دواليك حتى أسلمني القدر لأيدي الشرطة ووقعت في شباك الحكم والعدالة ومكثتُ في السجن بضع سنين.

انقضت أحوال من الدهر وأنا مذمومٌ مدحورٌ بين جدران سجن يعج عجيجا بالذر . وبين قعود ليلة من ليالي الهم على سجني وبينما كان فؤادي في لجاجة ؛ دخل عليّ الضابط قاطبا حاجبيه وقال: 
مادهاك إلى هنا أيها السفيه؟
فاستشرفت عاتقي ونكثت رأسي بينهما ؛ وبدأتُ أقص عليه القصص إلى أن مددت يديّ إليه ضارعا : رحماك ياسيدي بثمالة عيشي _أخرجني_ فإنني لا أقوى على الموت مذلولا .

يا سيدي لحى الله الحرب التي سرقت مني أُنسي وذات قلبي وصاحبتي وبعلي وليس غيرها أحب إليّ من البشر...لحى الله الفقر الذي جاء بالطم والرم كم يُقال..لحى الله مروان الذي اتخدتموه ورائكم ظهريا..
فأنصت الضابط هنيهة وتبسم ضاحكا لفطنة السجين وأدرك ثقوب فكره فلبث يوما أو بعض يوم ؛ ثم عاد وانفرد بمروان وقال له مسرورا فرحا: حقبة الحكم عليك بالسجن لم تنتهِ بعد؟
فماذا ترى إني فاعل بك؟!
قال مروان : كريم وابن بلدٍ كريم .
فاستحسن الضابط قوله وقال: وإن جعلتك مقادير الدنيا من السوقة ؛فإنني أرى فيك هذه اللحظة عقدة توثقت علىالعزم؛
واصطفيتك لوطر في نفسي فعليك نفسك ؛ وأطرق رأسه هنيهة ثم رفعه مستبشرا: ولتعلم يا بطل أنني منذ اللحظة هذه وليتُك على كتيبة وستبدأ عملك مذ ترى الشمس قد أخذت مكانها من كبد السماء.

وأقصاه عن مجلسه إنشغالا بغيره ؛ وانطلق مروان يعد الخطاوي شوقا للتدريب والمواجهة واستذكر أن هذه فرصته لينال من يد الحرب الذي اختلست منه زوجه ويُلقن الذين بدأ فلول قاداتهم بالإستسلام من غلاظ الأكباد درسا ويجعلهم عبرة وعظة لمن خلفهم .

وماهي إلا أياما معدودة حتى ثار حابلهم على نابلهم وانسحب الجنود تبعا لقاداتهم حين حمي الوطيس .
 فتجهم وجه قآئد منهم وظفر بجنوده وصاح: مابالكم تذهبون بالسلاح وتعودون حفاة عراة!!

 فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم وقالوا: حملتمونا مالا طاقة لنا به ؛ فقد أوجسنا من قائدهم خيفة ياسيدي ؛ لقد قتل منا سبعة وثامننا على شُرفة الموت يصارع القضاء والقضاء يصرعه ؛ ظفر بنا على بعد ثلاثة فراسخ فكيف نقترب لمواجهته ياسيدي!!! ؛حتما سيلقينا جميعا في مصير الغرر.

فزمزم القائد غاضبا: تبا جزيلا لكم أيها الحمقى.