الأديبة سحر القوافي
إنه زمن الرداءة والرعونة الثقافية والإرهاب الفكري يلقي بظلاله على القارىء العربي الذي عزف عن القراءة أو تاه في درك الاستهلاك ودهاليزه المعتمة..وابتعد عن الثقافة الحقة التي تشيد العقول وتهذب السلوك والطباع وترسخ القيم الفاضلة وتبعث الضمائر الميتة..فسقط في غيابات السخافة والترفيه واللهو ..في زمن غيب فيه اليراع القيم عن الأبصار والبصائر والأسماع وراح القارىء يلهث خلف ثقافة المظاهر
الزائفة وضجيج العربدة وبريق الأزياء وترف الفنانين ونجومية أقدام اللاعبين.. يجرفه المد العاتي القادم من الغرب في منصات التواصل الاجتماعي.. قارىء بلا رؤية ولا هدف ولا وعي.. كالسكير يتبع السراب ويفتش عن قتل الوقت والهروب من واقعه المرير وتناسي أوجاعه بين بهارج الموضة والمتعة..
هذا هو زمن الرداءة والضعة والحمق والبلاهة والرعونة والعبث وما شئت من ألوان التيه وغيابات التهافت.. غابت عنه الأقلام الجادة والبصائر والضمائر والقيم السامية تحت الترهيب الممنهج من الساسة وأذنابهم وكلاب حراستهم يمارسون الوعيد والتهديد والمنع والحجب ..
يخلقون الفراغ ويصنعون الرعب والتفاهة ..
يغتالون الأقلام الواعدة والأحلام ويهزأون بالألباب والخواطر ..
يضحكون على الشعوب باسم المهرجانات والحفلات والتظاهرات الفنية والثقافية يقيمونها للغناء والرقص والموائد والليالي الملاح.. وما أفلت من حبائلهم الشيطانية قضى عليه الفكر المتزمت المتطرف كوجه ٱخر للإرهاب الفكري المتواري تحت غطاء النقل والفتاوى المزاجية والمحافظة والأصالة ..وكل قيس على هواه يغني ليلاه..فتسلط الجمود والركود ونشط الاستهلاك والتفاخر بالقشور واللمعان الزائف فتاه القارىء العربي خلف أنباء الجلد المنفوخ تركله الأقدام وتتبع تقاسيم الوجوه وتفاصيل الأجسام وطول اللحى والتعطر بالمسك وتحريم التلفزيون وهلم جرا..
لقد همش الأدباء والعلماء وبجلت الراقصات والمغنيات والممثلات وعارضات الأزياء ولا عبي الكرة..هؤلاء هم الذين حظيوا باهتمام الحكام والحاشية وأمدوهم بالجاه والسلطان وأغدقوا عليهم الأموال والهدايا وتنافست الصحف والمجلات ومختلف وسائل الإعلام تلبي بأخبارهم حاجات القراء وتحاول إرضاءهم وإغواءهم لتحقق استمرارها ورواجها..وأصبح معيار الثقافة تتقادفه الأقدام وتذيعه الأغاني وهز البطون ورفل الأثواب وتهليلات السخفاء لأسيادهم البلهاء ولعصابات من رجال المال والأعمال التي تنهب الجيوب..فلم يجد القارىء إلا التصفيق ينشغل به والفراغ يرتمي فيه والظلام يلوذ إليه..
وسقط أشباه المبدعين والمثقفين في فخ الاستهلاك وبهرجة القشور وتقليد النحور ومدح أرباب السلطة والقصور وربات الخذور وتفننوا في عرض حروفهم على صور الفاتنات وشبه العاريات وكأن الصورة هي بيت القصيد..
فغابت الحروف في ظلالها ..
وفقدت رونقها ودلالتها وغلب الإعجاب بالمفاتن عن جلال المعاني والمباني..
وهكذا أصبح كل من الإبداع والإعلام منحازين للاستهلاك نزولا عند رغبة المستهلك وتلبية لأذواق السوقاء.. فأخذ هذا الأخير حظوة واهتماما على حساب الفكر والخلق والرقي ولم تجد وسائل الإعلام بدا وخلاصا فأذعنت وأعلنت الرضوخ والاستسلام وغاصت في يمه وصار هم بعض الكتاب والشعراء غزارة النشر في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام حتى لو كان الموضوع تافها ومليئا بالأخطاء ..همه أن يرضى غروره ويجمع أكبر عدد من التعليقات والمديح والإعجاب وانتهجت زمرة من الشعراء التشبيب سبيلا إلى قلوب القراء وأصبح أكثر غرض تنشره الصحف والمجلات ويتفاعل معه القراء وكأن القارىء العربي لا تشده إلا نشوة الطرب ومتعة اللهو والجسد..
ووسط هذه الفوضى العارمة وغياب النقاد وغفلة البصائر والألباب في ظل خرس الأفواه الحرة والأقلام الجريئة التي تحلل واقعنا المتعفن وتوقظ الضمائر الميتة وتوعي الأحلام الطائشة ..تحت الاستكانة والترهيب والتهميش والإرهاب الفكري الذي تمارسه الأنظمة وخطوطها الحمراء التي ترسمها وتحظر من يحاول تجاوزها وبين الرعونة والعربدة التي يمارسها أشباه المثقفين ومدعو الإبداع وبين قارىء همه الإستهلاك وقتل الوقت..إلى أين يمضي بنا القطار ونحن نعيش على هامش الثقافة ؟؟
وشتان بين الزمن الجميل أين كانت للثقافة قدسيتها ومنزلتها الرفيعة ودورها البالغ في تشييد العقول وبين الثقافة أو عفوا السخافة اليوم التي لا تقدم غير الترفيه والتسلية وقتل الوقت إلا فيما ندر حيث يجتهد بعض المثقفين في حفظ ماء الوجه وتوازن المجتمع متحدين الإرهاب الفكري المتسلط على البصائر والأقلام يستعذبون في سبيله السجون ويقدمون التضحيات الجسام..

0 تعليقات
إرسال تعليق