عمر سعد سلمان
معظم الصراعات لها وجهان، ونحن معتادون على التفكير بأسلوب (فريقي) مقابل (فريقك)، ففريقي جيد وفريقك سيء او اقل جودة-على الأقل، فريقي على حق وعادل، وفريقك مخطئ وغير عادل. دوافعي نقية نفيسة، ودوافعك اصفها بأنها مشوية في أفضل الحالات. الأفضل هو فريقي او دولتي او شركتي او رأيي. وفي كل حالة من هذه الحالات يوجد بديلان فقط.
يكاد كل الناس يختارون أحد هذين البديلين، ولذلك السبب نجد الليبراليين في مواجهة المحافظين، والجمهوريين في مقابل الديمقراطيين، والعمال مقابل الإدارة، والرأسماليين في مقابل قوة العمل، والريف في مقابل الحضر، ودعاة الحفاظ على البيئة في مقابل دعاة التنمية، والبيض مقابل السود.
اما البديل الثالث فهو التعاون الإبداعي الذي يعتبر أرقي وأفضل لحل الصراع لان الاستمرار في مبدأ (البديلين) هو أحد أسباب الحروب والعنصرية والتحامل. لانهما يمتلكان نوعية معينة من نوعيات التفكير راسخة بقوة، فعقلية دعاة الحفاظ على البيئة – مثلاً-تقوم على تقدير الجمال والحفاظ على التوازن الدقيق للبيئة، في حين تقوم عقلية دعاة التنمية على الرغبة في رؤية نمو المجتمعات، وزيادة الفرص الاقتصادية، وكل طرف من هذين الطرفين يرى نفسه خيراً وعقلانياً، ويرى الآخر مفتقراً للفضيلة والمنطق السوي.
ان الجذور العميقة لنوعية تفكير الشخص تتداخل مع هويته، فاذا قال أحدهم عن نفسه انه من دعاة الحفاظ على البيئة او ذي توجه محافظ فأنه يصف هويته. ولذلك عندما يهاجم غيره ما يقوله فانه يعتبر هذا الهجوم عليه شخصياً. على تصوره لذاته. وفي الحالات المتطرفة، قد تزيد صراعات الهوية من حدة هذا الهجوم، وتصل به لدرجة الحرب. ان البشر العاديون لا يستطيعون تجاوز التفكير بأسلوب البديلين فهم اما ان يواصلوا الحرب او ان يرضخوا بحل وسط غير قائم على أساس قوي، ولذلك السبب نواجه الكثير من الطرق المسدودة المحبطة ومع ذلك، فان المشكلة لا تكمن في الغالب في استحقاقات وجدارة الطرف الذي ننتمي اليه بقدر ما تكمن في نوعية تفكيرنا. فنحن نحصل على نتائج ما نفعله، وما نفعله تحدده نظرتنا للعالم المحيط بنا.
عندما جلبت (الطماطه) الى أوروبا للمرة الأولى عن طريق الامريكيتين، أطلق عليها عالم نبات فرنسي اسم (خوخة الذئب) المخيف، وهو الاسم الذي تحدث عنه العلماء القدماء، لذلك كان يحذر من ان اكل حبة الطماطة ستسبب اختلاجات ورغوة على الفم، والوفاة. ولذلك السبب لم يقرب المستعمرون الأوروبيون الأوائل خضار الطماطه في أمريكا رغم انهم زرعوها في حدائقهم كنبات زينة. وفي الوقت نفسه، كان الاسقربوط واحداً من أخطر الامراض التي واجهها هؤلاء المستعمرون والذي ينتج عن نقص فيتامين (ج) الموجود في الطماطه بوفرة، لقد كان علاج الأوروبيون المرضى موجوداً في حدائق بيوتهم، ولكنهم ماتوا بمرضهم بسبب نموذجهم المعيب في التفكير آنذاك. وبعد قرن تقريباً، حدث تحول في النموذج مع ظهور معلومات جديدة، حيث بدأ الايطاليون والاسبان يأكلون الطماطه، ويقال ان (توماس جيفرسون) قد زرع الطماطه وروج لأكلها. وقد أصبحت الطماطة حالياً أكثر الخضروات اكلاً، وبدأنا ننظر اليها على انها خضار صحي، وأصبحنا نأكلها وأصبح اكلنا لها يمنحنا الفيتامينات. هذه هي قوة تغيير النموذج.
إذا كنت من أنصار حماية البيئة وكان نموذجي – او خارطتي العقلية – يقتصر على توضيح جمال الغابات التي لم تمتد اليها يد البشر، فسأرغب في الحفاظ على هذه الغابات. وإذا كنت من دعاة التنمية والتطوير، فلن توضح لك خارطتك العقلية الا احتياطات النفط الكامنة تحت تربة هذه الغابة، وبالتالي ترغب في إزالة الغابة للحصول على النفط. ربما كان النمطان صحيحين. اجل ثمة غابة محتفظة بعذريتها البدائية على الأرض، ومع ذلك فهناك احتياطات نفطية ايضاً. والمشكلة هنا هي ان كلتا الخريطتين العقليتين ليست كاملة، ولا يمكن لأحدهما ان تكون كاملة.
لقد اتضح في وقت لاحق ان أوراق نبات الطماطه سامة فعلاً، وكان النموذج المعادي للطماطه صحيحاً بصورة من الصور. ورغم ان بعض الخرائط العقلية قد تكون أكثر دقة من غيرها، فليست هناك خارطة كاملة تماماً، وذلك لان الخارطة تختلف عن الأرض التي تعبر عنها، وكما قال (دي.اتش.لورانس): (ان كل نصف حقيقة تؤدي في النهاية الى نقيضها في النصف الآخر من الحقيقة).
يمكننا الجمع بين الخريطتين، وهذا شيء مفيد، بحيث تكون لدينا خارطة أكثر شمولاً تأخذ في اعتبارها كلا المنظورين، فأفهم منظورك وتفهم منظوري. ان هذا يعتبر تقدماً، ومع ذلك، فربما ظلت لدينا اهداف غير متوافقة، حيث اظل انا ارغب في ان تظل بكراً بعيدة عن ايدي البشر، وتظل انت ترغب في ازالتها لاستخراج النفط، بل ان فهمي الكامل لخارطتك ربما دفعني للامعان في محاربتك.
وعندئذ يمكننا ان نصل للجزء الأكثر اثارة. وهذا يحدث عندما انظر اليك وأقول (ربما استطعنا التوصل لحل أفضل مما يفكر فيه كل منا، هل لديك الاستعداد للتفكير في بديل ثالث لم نفكر فيه حتى الآن؟) قلما طرح أحد هذا السؤال رغم ان هذا السؤال أساسي ليس لحل الصراع فحسب، بل وفي تشكيل المستقبل ايضاً.

0 تعليقات
إرسال تعليق