د. طالب محمد كريم*

يتساءل البعض من المتابعين لتطورات وباء كورونا عن سر أسباب التفاوت في مؤشر صعود انتشار وباء كورونا بين اسيا واخص منها دولة الصين وبين دول الغرب ومنها الولايات المتحدة الأمريكية .
هناك عدة أسئلة يطرحها العقل البشري ربما قد تكون الأجوبة سابقة لأوانها اذ لازالت التجربة لم تنتهي ولابد من ان ننتظر نهاية جائحة كورونا لاكتشاف حيثياتها الكلية. السؤال المركزي الفاصل هو:
كيف استجد فايروس كورونا 19/وأعاد تواصله بنسخة اخرى ؟
صياغة مضمون السؤال ينقل بنا إلى طبيعة العلوم التجريبية والمختبرية التي تنتظر وقت طويل من سلوكيات الملاحظة والمشاهدة وجمع العينات، التي توفرها عملية الاستقراء مع اجراء مجموعة من التجارب على عينات حيوانية وبشرية ومن ثم تكفل النتائج في تبني اجابة كلية تحيط بموضوعية الفايروس.

لكن لابد من القول في ان الاكتفاء والزهد بهذه الخطوة غير كافية في إعطاء الإجابات التي قد تكبح من فضول وحاجة الأسئلة التي يطرحها العقل العلمي والفلسفي، اذ ان هناك أسئلة بعيدة تبحث في مجهولات اخرى قد لا تمتلك العلوم التجريبية اجابة لها، ومنها السؤال الفلسفي الذي يبدأ بصيغة لماذا؟
هذا السؤال الفلسفي الخطير الذي يتضمن البحث عن الأسباب البعيدة والعلل الأخرى التي لم يكتشفها العلم اذ تقف عاجزة أمامها ، لتدخل الفلسفة فيما بعد وتمارس وظيفتها الجوهرية في البحث عن الأجوبة القاطعة.

سؤال العلم يمكن ان يحدد نفسه في طبيعة وصيغة استفهامية في اسم:  (كيف) للمادة الموضوعة امام خطوات التجربة والاختبار، والتي تخبيء وراءها البحث عن العلاجات التي يمكن لها ان توقف مسار الفايروس
الا ان السؤال الفلسفي ( لماذا ) يذهب إلى ابعد من ذلك لمعرفة الأسباب التي كونت الحدث وماهي العوامل التي ساعدت في إنجاز هذا الحدث العالمي .
يمكن ان نقسم السؤال الفلسفي إلى:

١لماذا ظهر فيروس كورونا في هذا الوقت وليس في وقت اخر؟

٢ولماذا في اسيا والصين وفي ووهان ؟

٣ولماذا في هذا الموسم  والتاريخ وليس في غيره ؟

بهذه الأسئلة وغيرها يمكن ان نخرج عملية التفكير من منطقة مغلقة او معلومة الحدود إلى منطقة اكثر اتساعا وجراءة، اذ تبدا من وراء هذه القوانين عملية البحث والقبض على سلسلة الأسباب المنتظمة والتي كونت هذا الحدث الكبير .
وهنا لابد من تأجيل الإجابات لحين انتهاء دور العلم والوقوف على الأسباب الاولى التي يعتقد انها اسباب موجبة في تشكيل الحدث.

عودًا على بدء
لماذا هذا الانحسار في تفشي الوباء في الصين وروسيا وبعض الدول مقابل اتساع رقعة الانتشار في إيطاليا وأمريكا ؟

الإجابة على هذا السؤال تتوضح من خلال دراسة النظام السياسي لكلا الدولتين، اذ ان الدول الشمولية لا تراعي بنية العلاقات التي تنسج خيوط العمل بين المؤسسات ولا تنتظر تقريرات الشفافية الوطنية ناهيك عن الدولية ولا تتوانى في اتخاذ القرارات التي تعتقد انها بمثابة كوابح أمام عجلة تراجع حياة الدولة والشعب . لذلك ان ما يشاع عن ان الدول الشمولية تحكمها مجموعة معقدة من العلاقات المتشابكة التي يطلق عليها بالبيروقراطية هي في الأساس إجراءات شكلية ليست الاّ. إنما حقيقة الدولة يختزل قرارها ومصيرها بشخص واحد او مجموعة أرستقراطية أو حزب ينفرد بالنظام السياسي للدولة . على عكس الدول الديمقراطية التي تتفرع مؤسساتها إلى خارطة وهيكلية معقدة جدا من التنظيم الإداري والروتيني التي تفترض جملة من الموافقات والأوامر ورزم متعددة من الاوراق في سبيل التوصل إلى نتائج معينة تتيح للرئيس او المسؤول الإجراء الذي يطلب من خلاله الصلاحيات في سبيل تنفيذه.

وبحسب ما جاء من تقرير مركز المستقبل للدراسات  والذي يبين فيه مدى تعقيد منظومة الادارة في الولايات المتحدة الأمريكية مثالاً صارماً للمقارنة بينها وبين دولة الصين.
اذ تبيّن ان المحدِّدات الرئيسية التي تفسر الفشل الأمريكي في إدارة أزمة فيروس كورونا، يتمثل في طبيعة وهيكل النظام السياسي الأمريكي القائم على الفيدرالية، والذي يقسم مسؤوليات ومهام الحكم داخل الدولة بين حكومة مركزية، وبين حكومات الولايات. حيث جرت العادة في أوقات الأزمات على أن تتولى حكومات الولايات مسؤولية إدارة الأزمة التي تقع داخل نطاق الولايات، مثل الأعاصير التي تجتاح الولايات الأمريكية من وقت لآخر، أو التنسيق والتعاون بين الولايات المتجاورة، مع إسنادٍ ودعم من الحكومة المركزية. وقد كشفت أزمة كورونا عن كيف قوض هذا النظام من قدرات الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة الأزمة
وللتوضيح اكثر عند الاطلاع على هيكلية النظام السياسي الأمريكي نجد انها تنقسم إلى ثلاثة مستويات من حيث تقسيم مسؤوليات الحكم والإدارة:
الأول هو مستوى الحكومة الفيدرالية Federal Level، والمقصود به حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أو الإدارة الأمريكية ورئيسها "دونالد ترامب".
والثاني هو مستوى الولايات State level، والمقصود به حكومات الولايات الـ50، فكل ولاية أمريكية لديها حكومة، وأعلى مسؤول فيها هو الحاكمGovernor، مثل حاكم نيويورك "أندرو كومو".
و الثالث هو المستوى المحلي local level، والمقصود به الحكومات المحلية في المدن والمقاطعات الأمريكية، حيث يوجد أكثر من 90.000 حكومة محلية في الولايات المتحدة الأمريكية، أبرزها عُمَد المدن الأمريكية الذين يُطلق عليهم Mayor، مثل عمدة مدينة نيويورك "بيل دي بلاسيو".
تخيل بعد هذا الموجز القصير كيف تدار سياسة أزمة كورونا.
اذ حاولـت بعـض الـدول اسـتخدام طـرق غـر تقليديـة للحـد مــن انتشــار المــرض، إلى جانــب الطــرق التقليديــة، مثــل: الاعتــاد عــى نظــم الــذكاء الاصطناعــي، والروبوتــات، والدرونــز، والســيارات ذاتيــة القيــادة، وإنترنــت الأشــياء، وتحليــل البيانــات الضخمــة، وتقنيــات الجيــل الخامــس
للاتصـالات.. وغرهـا،

ومن هنا يمكن ان نتوقف عند جمهورية الصين الشعبية التي استخدمت مسار ( القبضة الحديدية وحق المعلومة والتجسس على الحياة الشخصية ). التي عملت على استخدام البيانات الضخمة من المعلومات الكاملة لافراد المجتمع،  في محاولة الكشف المبكر عن الحالات مثلما هو الحال في تايوان، أو استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص والمراقبة الشاملة أو حتى استخدام برامج التجسس والاختراق كما هو الحال في إسرائيل.
وفقاً لهذه المعطيات الاولى للحركة الاجتماعية للدولة والشعوب ودرجة الاستعداد عندها، في التعامل مع الأزمة الكونية برمتها. ستعكس تداعياتها السريعة والمفاجئة التي ادهشت العقل النخبوي في الخوف من صدمة المستقبل بعبارة ألفين توفلر، وستولد مفاهيم جديدة يفرضها الواقع الحياتي على نمطية الدولة بعد كورونا.

استاذ في الجامعة المستنصرية
d.talibkareem@yahoo.com