عذراء زين العابدين
لمن المثير للدهشة ما يصوره لنا تاريخ العلوم المتداول ان ما وجد على كوكب الأرض من البشر قبل خمسة الاف عام كان غارقا في العصور الحجرية المتخلفة ومجتمعاتها البدائية التي كان فيها الانسان لا يزيد ارتقاءه عن الحيوان الا بدرجات قليلة ومتفاوتة في حين تكشف لنا الاثار والحفريات ان أولى الحضارات البشرية واقدمها وهي حضارة سومر في جنوب بلاد ما بين النهرين قد احرزت تقدما علميا مذهلا فقد عرفوا الأنواع الأولى للسيارة عندما اخترعوا العجلة وشقوا الترع والسواقي وشيدوا السدود والخزانات المائية الضخمة وجربوا الادوية المختلفة حتى وصلت علومهم الى الفضاء فكانوا من أوائل المتخصصين في علم الفلك والفضاء حيث يعتبر التنجيم فرع رئيسي من ثقافة بلاد الرافدين وقد اخذ التنجيم مكانه كأحد الوسائل الرئيسية التي استخدمها الكهنة لمعرفة الإرادة الإلهية ونية الالهة.
كانت بلاد سومر والحضارة البابلية أولى الحضارات المعروفة التي لها نظرية وظيفية خاصة بالكواكب فيعتبر علماء التنجيم البابليون اول من أرسى أسس وقواعد علم التنجيم الغربي وكل العلوم المشتقة من علم الفلك في الهند والعصر الإسلامي والغرب كانت معتمدة على علم الفلك البابلي بشكل أساسي وقد استخدمت المصادر الاغريقية واللاتينية مصطلح(الكلديون) بشكل متكرر للإشارة الى علماء الفلك ببلاد الرافدين والذين كانوا من الكهنة الكتاب المتخصصين في علم التنجيم والانواع الأخرى من الكهانة.
يعتبر لوح (فينوس لامي صادوقا) البابلي أقدم نص فلكي كوكبي باق حتى عصرنا هذا وهو عبارة عن لوح بنص مسماري يشير الى سجل بيانات من الملاحظات الفلكية عن كوكب الزهرة المسمى فينوس فهو يسرد شروق وغروب الكوكب المنظور على مدى فترة 21 سنة ويعتبر من أول الأدلة على ان ظهور الكواكب هو امر دوري، يعود تاريخه الى الالفية الأولى قبل الميلاد ويعتقد ان هذه السجلات جمعت في عهد الملك أمي صدوقا الملك الرابع بعد حمورابي. ولهذا يرجح ان تكون أصول هذا النص الى حوالي منتصف القرن السابع عشر قبل الميلاد بحسب التسلسل الزمني الوسيط.
كذلك تضم الواح (انوما أنو أنيل) المدونة خلال الإمبراطورية الاشورية الحديثة في القرن السابع قبل الميلاد قائمة من الطوالع وعلاقتها بالعديد من الظواهر الفلكية بما يتضمن حركة الكواكب وهي تعني (في أيام انو وانيل).
انو هو إله السماء في حضارة بلاد ما بين النهرين، وهو من حيث الأهمية يقع في المرتبة الأولى عند السومريين والبابليين، وقد نعت بابي الالهة وكان يعتقد ان مقره في السماء العليا ويرمز له بنجمة ذات ثمانية رؤوس والتي تشير الى اتجاهات الكون الجغرافية. رقمه الرمزي 60 الذي أصبح مقدسا واساس الحساب الستيني في قياس الوقت والدوائر حيث يعتبر البابليون اول من وضع النظام الستيني الذي يقسم الدائرة الى 360 درجة ويقسم الساعة الى 60 دقيقة.
اما انليل، فهو إله سومري قديم يعتبر إله الرياح والأرض والعواصف.
كان البابليون هم اول من أدرك ان الظواهر الفلكية هي ظواهر دورية متكررة وقاموا بتطبيق الرياضيات على توقعاتهم. وقد عرفوا من الكواكب خمسة -المشتري والزهرة وعطارد والمريخ- وتم تسميتهم بالترتيب الذي جاء ذكره في الادب المسماري القديم، هذه الكواكب الخمسة ربطت مع الالهة البابلية كالتالي:
- المشتري مع الاله مردوخ
- الزهرة مع الاله عشتار
- زحل مع الاله نينورتا
- عطارد مع الاله نابو
- المريخ مع نيركال
ان حركة الكواكب الخمسة اعتبرت تمثيل لنشاط الالهة الخمسة إضافة الى الشمس التي مثلت الاله شمش والقمر الذي مثل الاله سين فكانت الحوادث على الأرض تؤول حسب نشاط هذه الكواكب ويتم من خلالها معرفة الإرادة الإلهية.
بدأ تسجيل الظواهر الفلكية في عهد نبوناصر(747-734 قبل الميلاد) عندها زاد عدد ونوعية الملاحظات الفلكية فقد تم تسجيل دورة ساروس على سبيل المثال والتي هي مراقبة تكرار الخسوف القمري لفترة 18 عاما.
وهنا نرى ان حضارات بلاد ما بين النهرين قد بدأت ومن ثم طورت علم الفلك لتكون أولى الحضارات التي وصلت الى النجوم بعلومها لترسي على من اتى بعدها قواعد واسس علم الفلك وتكون الواحة التي نستمد من علومها حتى وقتنا الحاضر.

0 تعليقات
إرسال تعليق