ابراهيم الدهش 

تحدث لي أحد الأصدقاء عن موقف يستحق الاستذكار والوقوف عنده وخاصة وسط هذه الظروف والتحديات التي نعيشها اليوم، 
يتعلق بأخيه الذي يسكن بلاد المهجر..
متحدثاً.. 
عندما كنا في بلاد المهجر وتحديداً في أحد الأحياء السكنية التابعة إلى مدينة شيكاغو وضمن هذا الحي الذي نسكن فيه وبحوارنا من جهة اليمين كان منزلاً لامرأة عجوز لا تقوى على الحركة لكبر سنها، تعيش وحيدة في شقة مجاورة لنا..
أبنها الوحيد و زوجته وابنه فارقا الحياة أثر حادث تصادم سيارتهم مع مركبة كبيرة ، كانت أم حنون في تعاملها ، ونبادلها نفس الشعور والمحبة ، ونتفقدها بين فترة وأخرى وعندما نتبضع نأتي لها ما تشتهي وترغب من حسابنا الشخصي وهي تستغرب من ذلك لأن الشهامة والغيرة موجودة عند العرب ، والجميل في هذه العلاقة وخاصة عندما اراقب من بعيد حديثهم ومدى العلاقة الحميمة ، أجد تعامل بنت مع امها ، و رغم ذلك فهي تقوم بواجباتها بشكل لا يوصف من طبخ و تنظيف الشقة حتى رعايتها في الأمور الخاصة بسبب عجزها وكبر سنها وعدم استطاعتها ان تقضي حاجتها الخاصة .. وايضا هذه المرأة العجوز تبادلنا نفس المشاعر والاحاسيس وتتعامل معنا كأولاد لها.. وفي أحد الليالي الشتوية ومع هطول الامطار اضطرت زوجتي أن ترمي كيس القمامة الاسود خلف شباك المطبخ من خارج الشقة لحين الصباح وتحمله الى حاوية النفايات الموجودة امام الشقة بمسافة قليلة.. 
كانت لنا المفاجئة عندما سمعنا رنة جرس الشقة في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي وإذ بالبوليس و (دفتر الغرامات) والسبب يكمن لعدم رمي كيس النفايات في المكان المخصص.. المشكلة ليست في مبلغ الغرامة ولكن من الشخص الذي أخبر رجال الشرطة عن رمي الكيس من الشباك؟ علما ان الساعة كانت بعد الثانية عشرة ليلاً.. وجهت السؤال الى الشخص المعني.. ودون أي تردد او مراوغة قال..
المرأة العجوز التي بجواركم هي مَن اتصلت بنا حال وقوع الحدث.. دفعنا الغرامة بعد الاعتذار وتوضيح السبب..
كانت لنا صدمة فعلاً ...!
وقررنا التوجه إلى جارتنا وتوضيح الموقف قد يكون فيه التباس لأننا مستغربون مما حدث!
طرقنا باب شقتها ونعلم انها تتأخر في فتح الباب لعدم قدرتها على المشي فكانت تتكأ على عصا.. وعندما فتحت الباب ونحن ننظر بنظرات العتاب ونتعامل معها رغم الموقف المقرف بأخلاقنا وتربيتنا.. تفاجئنا بدموعها وهي تتأرجح بين حدقات عينيها مطاطة رأسها خجلاً عما سببته له..
وقالت بثقة كبيرة لم نشاهدها من قبل في أصرارها، عن عدم التنازل والاعتذار..
قالت..
لو كان اولادي على قيد الحياة لا يقدمون لي بمثل ما تفضلتم من اهتمام ومتابعة..
وانا احبكم جدا
ولكن حب وطني أغلى وأثمن من كل حب

هكذا يجب أن نحب أوطاننا..