محمد خلفان الصوافي


الشعب العراقي وضع أسسا لعراق جديد وعلى من يفكر في الوصول إلى رئاسة العراق أن يضع في اعتباره ما يحصل الآن من تحركات لعودة العراق إلى محيطه العربي الطبيعي.

تحركات عراقية نحو العودة إلى الحاضنة العربية

عبّرت كلمة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أثناء ترحيبه برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الذي زار دولة الإمارات يوم الأحد الماضي عن الاحترام والتقدير اللذين تكنهما الإمارات لمواقف العراق وشعبه منذ تأسيس دولة الاتحاد على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وشملت كل المجالات الحيوية، وما تزال تلك المواقف مستمرة من خلال أبنائه الذين يشغلون قطاعات إستراتيجية في الدولة.

ما تقدمه الإمارات اليوم للعراق في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها هو واجب على الإمارات تجاه دولة لم تتوان عن مساعدة الإمارات في لحظات تاريخية كانت تحتاجها.

وحظيت الكلمة المختصرة في عدد كلماتها والمعبرة في معانيها ودلالاتها حول ما يربط الإمارات بالعراق، بتقدير كبير أبرزته وسائل التواصل الاجتماعي في العراق لسببين. الأول: أنها كانت كلمات صادقة من قائد يحمل حباً لكل الشعوب العربية الغيورة على أوطانها. حبا تؤكده مواقفه النبيلة بالعمل على استقرار مجتمعاتهم ورفض ما يهدد أمنها. فعل ذلك مع مصر في وقت تراجع فيه الجميع عنها. ولم يتردد في الوقوف إلى جانب اليمن عندما طلبت قيادته المساعدة على استعادة الشرعية. وأعتقد أن العراقيين يدركون أن الشيخ محمد بن زايد يقصد ما قاله عندما ذكر “عراقنا غالي علينا”.

لم تكن الكلمة تقليدية، وفق المفاهيم السياسية المتعارف عليها، وقد عبرت عن رغبة أبناء الخليج، وبشكل خاص أبناء الإمارات، بعودة عراق العلماء والأطباء والمهندسين الذين أثروا العالم بعلومهم، ولم تقتصر مساهماتهم على دولة الإمارات فقط، الدولة التي لا تقابل من ساعدها بالجحود أو نكران الجميل. وقد برهنت عن ذلك في الكثير من المواقف، ربما أبرزها خلال غزو نظام صدام حسين للكويت، وكذلك قبل الغزو الأميركي للعراق، عندما تقدم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان بمبادرة إنقاذ العراق ناصحا بتنحي صدام حسين عن الحكم. المواقف النبيلة والصادقة هي أحد الموروثات السياسية لدولة الإمارات.

أهمية الزيارة تقاس عادة بجدولتها بروتوكولياً، ورغم أن دولة الإمارات كانت الخامسة في ترتيب الزيارات، منذ استلام الكاظمي منصب رئاسة الوزراء في يونيو 2020، إلا أن الزيارة وفق تقييم المحللين والتغطيات الإعلامية التي رافقتها كانت الأكثر أهمية، رغم أن الاتفاقيات والتفاهمات التي تمت في زيارات الكاظمي السابقة لم تكن مختلفة كثيراً عن الاتفاقيات والتفاهمات في الإمارات. ولكن ما رجح كفة زيارته لدولة الإمارات هو ما عرف عن الإمارات من مصداقية في الوقوف إلى جانب الأشقاء والأصدقاء. ومواقفها في أزمة كورونا خير مثال على ذلك.

السبب الثاني الذي دفع إلى الاهتمام بالكلمة هو ما حملته من مفردات لامست الإنسان العراقي الذي كان بأمس الحاجة إلى من يشعره أنه مهم في وطن تتقاسمه صراعات تهدف لاستنزاف ثرواته وحضارته دون أن يلتفت إليه أحد.

العراق بدأ يستعيد مكانته الطبيعية على الساحة الدولية، ويدير أزماته المتعددة بطريقة أفضل مما كان عليه الحال خلال 17 عاماً ماضية. وإذا كان هناك في الداخل العراقي من يعمل من أجل التشويش على مساعي الكاظمي فإن عليه أن يدرك أن الزمن تغير منذ أكتوبر 2019، ولم يعد العراق رهينا للطائفية والفساد.

الشعب العراقي وضع أسسا لعراق جديد، وعلى من يفكر في الوصول إلى رئاسة العراق سواء في السلطة التنفيذية (رئيس العراق أو رئيس الوزراء) أو السلطة التشريعية (البرلمان) أن يضع في اعتباره ما يحصل الآن من تحركات لعودة العراق إلى محيطه الطبيعي: الحاضنة العربية.

كاتب إماراتي