هارون محمد


يمكن اتهام الوزير الأسبق والقيادي البعثي السابق، لطيف نصيف جاسم، بأنه من أشد محبي الرئيس صدام حسين، ومن أكثر الملتفين حوله والمؤيدين له، وهذه حالة شخصية وحزبية وإنسانية، لا تدخل في دائرة انتهاكات حقوق الانسان، وهي التهمة التي حُكم بموجبها، وسُجن في ضوئها، فالرجل وملفه الوظيفي واضح ومعروف، أدى واجباته وخصوصاً في الإعلام، وفقاً لسياسات النظام الحاكم السابق، وهو جزء منه، وطرف فيه، من دون أن يتلوث بالدم ضد خصومه السياسيين، أو يختلس المال العام، وكانت تحت يديه الملايين، ولديه صلاحيات مطلقة في صرفها، أو التلاعب بها، ولكنه كان نزيهاً، في زمن كان فيه الاختلاس عيباً، واللصوصية خزياً.

آقول ذلك، وشخصياً لا يجمعني ود مهني أو وظيفي به، وهو الرئيس وأنا المرؤوس، لسنوات طويلة في الإعلام، هو وزير، وأنا صحفي في وكالة الأنباء العراقية التي تتبعه، وكان لا يرتاح إلى سياقات العمل فيها ومهنيتها، ونظام تعاطيها مع الأحداث الداخلية والخارجية، وأتذكر أنه غضب علينا، الزميل المرحوم صالح السلامي وأنا، وكنا نعمل في قسم المكاتب الخارجية في الوكالة، وعاب التزامنا بالأمور (الفنية)، كما وصفها، في حينه، فقد كان التلفزيون حبه وهواه، ولكنه عاد واعتذر، واعترف بأننا على صح، وهو المخطيء، ولا أنكر أنني كتبت ضده من لندن حيث أقيم، وانتقدت موافقته على نشاطات صحفي فني قديم، معروف بمشاريعه الاحتيالية، وعمليات نصبه، ولمته ايضاً، على تصريح ناري متأخر، توعد فيه، بالويل والثبور وعظائم الأمور، الغزاة الأمريكان، وكانوا في طريقهم إلى اختراق العاصمة واحتلالها، فقد كان متمسكاً بمبادئه، ومقتنعاً بما يؤمن به.

وسواء اتفقنا مع لطيف نصيف جاسم، أم اختلفنا معه، في مواقفه السياسية، الا أنه كان محضر خير، في كثير من الأحداث والمواقف، التي أثبت فيها ، أنه فلاح في طيبته، ومتواضع في طويته، وقصة تدخله في انقاذ فالح الفياض من حبل المشنقة، وإخراجه من سجن أبو غريب، برغم ثبوت تهمة انتمائه، إلى حزب موال لإيران، في زمن الحرب معها، يتداولها أهل الراشدية، إلى يومنا الراهن، وله الفضل في إعادة افتتاح مضيف البو عامر فيها، والعفو عن أحد أبناء شيوخها، الذي التحق بايران، ونشط معارضاً فيها.

وكنت آمل، وأنا أقرأ تغريدة باسم لطيف نصيف، وهو يتحدث عن تدهور حالة أبيه الصحية، أن يبادر الفياض وهو اليوم صاحب مركز عال في السلطة، ويعرف جيداً ان أبا أنمار، كما كان يناديه سابقاً، لا يستحق هذا الوضع المزري، الذي أصبح عليه، من كان سبباً في دفع الموت عنه، ويتدخل وله نفوذ الآن، في الإفراج عنه، كما تدخل الرجل في قضيته، قبل سنوات، خصوصاً وأنه قد بلغ من العمر عتياً، وبات في الثانية والثمانين، وفاقد الحركة والنطق، ينتظر أجله وهو في سجن بغيض.

ليس شجاعة أن تسجن انساناً لم يقترف جرماً، أو يرتكب ذنباً، وإنما لمجرد أنه كان بعثياً، وهو خياره السياسي، ليس من حق الأمريكان الذين اعتقلوه، ولا للأحزاب الشيعية التي تُمعن في سجنه، إنزال العذاب به، والاستمرار في اعتقاله، وبينه وبين الموت خيط رفيع، سينقطع اليوم أو غد أو بعد غد، ويلتحق بزملائه ورفاقه وأصدقائه الذين ماتوا قبله، وعلى رأسهم الجندي الباسل سلطان هاشم، صاحب السجل الناصع في السمعة والمروءة والإيثار الوطني، رحمه الله، وجعله مع الصديقين والشهداء، في جنة خلده.

لقد بينت أحداث العراق المتلاحقة، لمن يفهم ويستوعب، أن الدم يولد دماً أكثر، والانتقام ينتج انتقاماً أكبر، وإذا كان الحاكمون مغفلين، سلبت السلطة والمال والسلاح عقولهم، وعاثوا كيداً في خصومهم، فإن الزمن دوار، والأيام دول، والدهر مُقبل ومُدبر، لا الفرح يستمر، ولا الحزن يدوم، وقد يموت لطيف نصيف جاسم كما مات قبله الآلاف بين مسجون ومعدوم ومغدور، ولكن سيأتي وقت قريب أو بعيد، لن ينفع الندم، أصحاب القرار في تصفيتهم، ظلماً وعدواناً، وسيلحقون بهم، واحداً واحداً، يلقون مصيراً أسود، لا تُفيدهم سلطاتهم، وأحزابهم، وأموالهم، بعد أن ركبوا رؤوسهم، وقادهم عنادهم، ولم يعودوا يتذكرون، أن العهد السابق، كان أقوى من حكمهم الحالي، عُدة وعدداً، ومناعة وحصانة، ولكنه تهاوى أمام هجمة خارجية، لم يتحسب لها، أو يستعد لمواجهتها، فكيف بسلطتهم الهشة التي لا يحتاج تقويضها إلى جيوش ودبابات وصواريخ وطائرات، وإنما (فزعة) قوم منتظمة، أو قوة صغيرة مُنظمة، والدول والأنظمة والحكومات، مهما قويت، واتسع ظلمها ونفوذها، كما السائد في العراق الآن، فإن لها أجلاً وتنتهي، بعد أن بلغ فسادها وباطلها، حداً خرافياً. 

أذكر حيوية لطيف نصيف جاسم وقد اشتركنا سوية، في تغطية مشروع (الهجرة العكسية) للفلاحين من المدينة إلى الريف، قبل نصف قرن، هو من جريدة (صوت الفلاح) وأنا من (واع)، وأذكر حماسته في تشجيع الفلاحين على استثمار الأراضي الموزعة عليهم بين محافظتي بابل وواسط، يتحدث لغتهم ويوضح لهم، نوعيات الخضر والفواكه التي تدر عليهم، ارباحاً وموارد، كأي فلاح متمرس يعرف أرضه وزرعه، حتى أنه تفوق في شروحاته ونصائحه، على السادة حسين سيد جبر ومحسن الشعلان وعثمان ارميض وكريم أبو دلف، وهم فلاحون أباً عن جد، وهو (الأفندي) الذي ظل ملتصقاً بأرضه وتراث أهله وعشيرته، ساعده رب العالمين على تجاوز محنته، ورحمه سبحانه إذا أزف موعده.