مروة حسن الجبوري
في واحة الروح تجد الكثير من الخفايا التي بقيت مختبئة بالكتمان، حتى ياتي ذاك اليوم الذي يزيل عنها الغبار فتكشف للايام عن هذه البقايا العالقة في الروح ، .
ساجدة تعيش في عالم يجمع بين الخفي والمعلوم، لا احد يعلم ما في روحها غير ذاك الصبي الصغير الذي شاركها في النبض والوضع، بكاء الروح يكون اعظم من تلك القطرات التي تجري من العين، فهناك تعصر الروح اوتار القلب وتحبس الانفاس فتزفر الاهات والحسرات، قد تموت الروح ويبقى الجسد في عالم المعلوم، .
ساجدة تلك التي احتلت عالمي اليوم لتروي لكم حكايتها بسيطة حروفي ولعلي لا املك غيرها لتسعفني وتنقل حكاية ساجدة.
انا من طائفة اخرى يقال عني (ايزيدية ) منذ ولادتي وانا اعيش في عالم يجمع الوان الطيف بسماء واحدة، فجارتي كانت شيعية، درست في جامعة يرفع فيها الاذان وتقام الصلاة فيها، لم اسمع يوما ان فلان من طائفة اخرى، فكان يقال عنه (عراقي )، بدمعة سجية تقول ساجدة في السنة الثالثة من الجامعة وخاصة في قسم لغة الانكليزية في الموصل، لم انسى ذلك اليوم عندما عدت من الجامعة كان الطريق مغلق وقد تركوا قطعة سوداء عليه ، استدار السائق الى طريق اخر يبعد عن منزلنا لكن ليس لدينا خيار اخر، قاربت الشمس على المغيب ولم نصل الى المنزل بعد، ثمة فوضى اليوم في الطرقات، الجميع يهرب الى اين لا نعرف، الابواب مغلقة، رياح سوداء تحوم في سماء المدينة بعد معاناة وصلت كانت اجواء العائلة خائفة وتنوي الرحيل من المدينة لا اعرف ماذا جرى كل ما اعرفه ان هناك من كتب على جدار المنزل تابع للدولة الاسلامية بقطعة اسود، حاولت ان اهدء من روع ابي الخائف وامي التي اخذ ترتجف وكأن كانون جاء اليوم، اصوات شقيتقي وهي تصرخ ،.
اقتربت من الشاشة التلفاز و هي تضغط على الزر اعلن المقدم نشرة الاخبار عن سقوط المدينة بيد عصابات ارهابية مسلحة ، حاولت أن تجعل الخبر كاذب حتى لا تشعرهم بالخوف، يبدو الشّارع خال من المارّة و من السّيّارات، فقدت الحياة، انقطع الكهرباء وبدأت اصوات الرصاص تقترب، لا مجال للهروب، انقضى اليوم كنت اشعر بالخوف عندما ياتي الليل فمعه الظلام والرصاص، مرت الايام ونحن على وضعنا سجناء في منزلنا ما نملكه من الطعام نفذ، خرج ابي حاملا معه راية بيضاء ليطلب لنه قطعة من الخبز والقليل من العدس، يسير وهو ملتصق بجدار أحد البيوت، وصل عند خيمة سوداء تحدث مع رجل كان يرتدي عباءة سوداء ذو لحية كثيفة يحمل على كتفه بارودة، تحدث طويلا معه، حتى ارتفع اصوات وضرب ابي على راسه، عندما علم ان ابي من غير طائفة، وأمر بسجنه وتعذيبة، وبعدما تاخر ابي عن الرجوع لينا عرفت ان الامر الذي يدور في راسي قد حصل، آه يا ويل قلبي سجن ابي لمدة عشرة ايام في سجونهم حتى طلب امير المدينة ان يتزوج احدى بنات او يبعهن على الامراء ، وان رفض ابي سيموت، ابي كان يهوى المنية ويرفض الاستلام وبيع فلذات كبدة، لا اطول عليكم رفع راس أبي وهجموا على دارنا، تغير الحال واصبحا سبيات، قررت ان اتزوج حتى انقذ عائلتي من الموت المحتم، ليس من السهل ان توافق على انقاذ احد في المقابل تموت انت وليس صعب ان تحي بجسد اخر كأمي مثلا، عندما سمع الامير موافقتي على الزواج اخرج عائلتي وارجع لهم الدار وما فيها مع ورقة تأمن على حياتهم من الجنود الذين معه، انتقلت الى خيمة الامير وعلى قوله لعنه الله قصر الامارة، هنا تسكب الدموع كنت جارية لا غير يستعبدني والضرب كان وسيلته حتى يعرف انه يملك القوة، وفي حال خالفت كلامه كان يهددني بالبيع والموت، انقضت على موتي معه قصدت على زواجي منه سبعة أشهر وكل يوم كنت ارئ قطرات الدم على ثيابة رائحة الخيانة قرينه معه، عندما تزوجت دخلت الدين الاسلامي لكن عن طريقه وكنت اعلم انه لا يمثل تعاليم الدين الاصيل ما يفعله هو نقيض الدين حتما، فليس هناك رب او نبي يدعو للقتال والذبح، قرأت القرآن اول مرة شعرت ان هذا الدستور هو ما كنت ابحث عنه، ولسوء الوضع لا املك مكتبة لبحث عن تفسير ايات القرآن فهناك ايات مبهمة عندي، وعندما اسأله كان يقول انها للمجاهدين ؟.
اضحك كثير في داخلي عن اي مجاهدين انتم، ايها الظالمين.
وحتى ينتهي بي المطاف شعرت اني احمل في احشائي جنين يشاركني الموت، ترددت كثيرا هل اقتله، هل يسمح لي الله ان اقتله حتى لا يعيش كأبية قاتل،..
مرت الايام والجنين يكبر في داخلي احدثه عن الله وادعو ان يكون مباركة او ان يموت، في فترة الحمل كان يجلب لي الهدايا والاموال واعلم جيدا انها مسروقة، لم اسمح ان ارتدي شيء ليس من حقي، جاء المخاص مسرعا فانا لم اكمل الثامن بعد الخوف والوجع كان يتشاطران على جسدي، قوة الله اكبر من ذاك جلب لي والدتي واسرعنا نحو المستشفى التي كانت في ايدي الدولة التكفيرية ولانهم لا يملكون الخبرة الكافية لم يتمكنوا من انقاذ الطفل مات بعد ساعة من خروجه الى هذه الدنيا، من كان حولي خائفا كيف يقول للامير ان ولدك قد مات، انا لا اعرف هل كنت حزينة ام سعيدة لا اعلم ...
خرجت الممرضة التي كانت ترتدي النقاب الاسود والعباءة السوداء وقالت ان الامير قد مات مخنوقا، لم تكمل كلامها حتى اطلق الرصاص عليها وسقطت جريحة، مسك يدي واخرجني بقوة نحو السيارة وهو في حالة الغضب الشديد مازالت الالم الولادة في جسدي، تعذبت كثيرا حتى ان اثار التعذيب مازالت على جسدي، لحسن حظي انني لم انجب بعد مما جعله يتزوج من اسيرة وانجبت له ثلاثة ذكور وبعد المعارك التي حصلت مع الجنود والحشد مات في داره كنت اقول في وقتها الى جهنم وبئس المصير. وعدت الى عائلتي بعدما تحررت المدينة من رجز داعش وخبث افكارهم، لم اترك الدين الاسلامي وبقيت ابحث اكثر حتى وصلت الى حقيقة الامر وتيقنت انه دين رحمة ولم يعارضني احد حتى غيرت اسمي ولقبي واصبحت ساجدة لله وحده.

0 تعليقات
إرسال تعليق