غدير الحدي _اليمن
لاشك أن الجميع يُدرك أن ما أوصلنا إلى مصير الغرر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وغير ذلك هو تهاوننا عن أخذ الكتاب (بقوة). ولاشك أنكم تدركون أن القرآن الكريم هو الكتاب الذي أقصده في الفقرة السالفة.
ربما يتساءل أحدكم : ما دلالة لفظ (بقوة) التي استخدمتها سابقا؟
قال تعالى : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة )
وفي موضع آخر يخاطب الله تعالى موسى فيقول:( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة...).
سأكتفي بالتطرق للآية الأولى تمهيدا لموضوع آخر أود من خلاله التذكير لا الزجر والانتقاص "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
أمرنا تعالى بأخذ كل حرف في كتابه العزيز - مكتوباً كان أم منطوقاً - بقوة ؛ أي بتدبر "أفلا يتدبرون القرآن.." وبتطبيقه بإقامة حروفه وحدوده " تلك حدود. الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار" ، وبإعطاء تلاوته أعز أوقاتنا " وإنه لكتاب عزيز" ، وبالانفراد به " فتهجد به نافلة لك عسى ربك أن يبعثك مقاما محمودا" ، وبتعليمه
فخيركم من تعلم القرآن وعلمه ؛ وكل فعل يتضمن تعظيم القرآن في قلوبنا وتطبيقه في منهاج حياتنا يدخل ضمن دلالة لفظ (بقوة).
المتأمل في واقع العرب المسلمين اليوم يجد أن الأغلبية قد تغافلوا عن أخذه بقوة.
و لأدلل على حديثي هذا بما استفتحت به موضوعي؛ فجميعكم يعلم أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب وهي العربية الفصحى- موضوع حديثنا اليوم- التي أصبح دراستها محل استهزاء الكثير من المسلمين العرب ونأسف لذلك.
لكن في المقابل هناك من استوطنت قلوبهم البصيرة، واستناروا بهدى الله ؛ فأدركوا أن أخذ كتابه سبحانه بقوة يكون بأخذ اللغة العربية بقوة حيث إن استيعاب الكتاب ماظهر منه ومابطن يقتضي استيعاب قواعد ودلالات مفردات اللغة العربية صراحة ومجازا.
فأخسر امرئ هو الذي يأخذ العلم علوا في الدنيا، ويتهافت على مقاعد الدراسة حبا في مظاهر الدنيا ؛ فتراه ينتقل من معهد إلى آخر ومن جامعة إلى أخرى يفتش عن دراسة العصر والتخصص الذي سيغدق عليه أموالا حين يتقدم لوظيفة ما ، و قد نسي أن الآخرة أشد وأبقى؛ ونسي أن العلم الذي تقتصر فائدته على دنياه، ويستغني به عما سواه من العلوم الذي ستنفعه في آخرته لهو الخسران العظيم.
لا أعني الانتقاص من أي مجال ، ولا أقول ماليس لي بحق، لكنني أُشدد على ضرورة أن يدرك الإنسان خطورة أن يُصعر خده للغة العربية و تبعات ذلك .
إن اقتران اللغة العربية بالقرآن الكريم يعد تشريفا عظيما لأمتنا وأي تشريف أعظم من هذا.
فرب العزة اصطفى نبيا عربيا وأيده بمعجزة القرآن ليتحدى به فصاحة منكريه وبلاغتهم؛ فما اسطاعوا أن يأتوا بسورة من مثله فانقلبوا صاغرين.
ولو تتبعنا تاريخ العرب أجدادنا منذ طلع علينا فجر القرآن إلى هذه اللحظة سنلاحظ أن الحضارات الإسلامية التي تمسكت بالقرآن وعظّمت لغته كانت تخافها الأمم . ولله العزة؛ فما من قوم أعزوا كتابه إلا أعزهم وما من قوم تهاونوا في أخذه إلا جازاهم الله من جنس فعلهم وحرمهم الرفعة والعزة والنصر.
ما دفعني لأكتب هذا المقال هو خشيتي على الجيل القادم... كيف سيكون حال ألسنتهم ؟ وكيف سيقرأون القرآن ؟! إن كان القرآن غامضا بالنسبة لهذا الجيل كما يزعمون فكيف بالأمم من بعدنا ؟!
بحور اللغة العربية لم ولن تنفد بإذن الله. كل ماعلينا القيام به تجاهها هو وضع دراستها نصب أعيننا ولا يتطلب ذلكز العزوف عن غيرها من الدراسات بل جعلها من أولويات المعارف.
أخيرا نتمنى بل ونرجو أن تُقام معاهد على أيدينا نحن- طلاب العربية- يُدرّس فيها كل علوم اللغة العربية؛ من أجل ذلك يجب أن نكون خير معلمي اللغة للأجيال ؛ فعلينا أنفسنا حتى تنشأ أجيال تحت رعايتنا تُعيد مجدنا وترفع شأننا وننال بذلك رفعة في الأرض ونكون حديث الله في السماء .

0 تعليقات
إرسال تعليق