أ.م.د مروان عوني 

يخطأ من يظن أن الحرب يمكن أن تختزل في بعدها العسكري .. فالحرب تبدأ وتنتهي ونحن لا نزال في السياسة .. 

يخطأ من يظن أن الحرب يمكن أن تختزل في أشخاص .. فرغم أن الحرب هي قدر الزعماء العظام لكنها تبقى في أسبابها ونتائجها أكبر من مصير بعض الدول والشعوب ..

لقد جاء التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران منطقيًا جدًا من حيث تسلسل احداثه ..

واشنطن كانت على إدراك كامل بنية طهران على الخروج سلميًا من أزمتها الاقتصادية الخانقة ورغبتها في العودة إلى التفاوض معها على اتفاقات جديدة ووفق شروط جديدة ..

واشنطن كانت على إدراك كامل بأهمية تصاعد صوت الخط المعتدل داخل النظام الإيراني نتيجة ما تراكم من تطورات محلية إيرانية وحاجة هذا الخط إلى تخفيظ أو ربما إسكات الصوت المقابل وهو الخط المتشدد ..

واشنطن كانت حريصة جدًا على ألا يتخذ التصعيد الدبلوماسي والأمني مع طهران حجمًا يصل إلى أمكانية استفادة الصينيين والروس منه أكثر مما يجب .. 

طهران كانت على إدراك كامل بوضع الإدارة الأمريكية الداخلي وحاجة رئيسها إلى نصر خارجي في هذا التوقيت يكون له تأثير يمتد أيضًا إلى عموم دول الشرق الأوسط الحليفة للولايات المتحدة ..

طهران كانت على إدراك كامل في أن الزمن ليس في صالحها وأن عليها أستثمار ما تبقى منه .. ولذلك فقد كانت طهران حريصة على الجلوس والتفاوض مع الإدارة الحالية في هذا التوقيت بالذات أي قبل بدء موسم الانتخابات الأمريكية وانتزاع إتفاق أولي معها قبل الاضطرار إلى الجلوس مع ذات الإدارة بعد فوز رئيسها ( الفريد من نوعه ) في الانتخابات المقبلة فتصبح شروط التفاوض أصعب بكثير ..

أغلب الظن أن التصعيد مهما أستمر فانه سوف يبقى منضبطا ولا يخرج عن السيطرة .. فكلا الطرفين أصبحا على علم شبه كامل بالنوايا الآنية لبعضهما .. ناهيك عن الخبرة الطويلة التي تراكمت لديهما حول جميع الملفات التي يتشاركان في أدارتها اتفاقًا أو على مضض .. 

أخيرًا فان التصعيد الأمريكي - الإيراني المتبادل الذي لم يحدث على أرض أي من البلدين كان ضروريًا لتحريك المياه الراكدة وإنضاج الأسباب التي تؤدي إلى الجلوس وجهًا لوجه على طاولة المفاوضات .. وهنا فان الإيرانيين كانوا دومًا الأكثر دهاء والأقدر على استثمار التناقضات وكسب عامل الوقت في مقابل الأمريكيين الذين كانت خياراتهم أكثر وتحالفاتهم أوسع وأوراقهم التفاوضية أقوى بطبيعة الحال ..