فائزة محمد علي فدعم
كان السيد خضوري شريك والدي في بعض املاكه في سوق بعقوبة القديم والعلاوي من الطائفة اليهودية. وقد رحل لزيادة وسعة املاكه واشترى بيتآ في منطقة ابو نؤاس في بغداد ولكنه يأتي كل شهر لاستلام ايجار ممتلكاته ويجلب لنا معه بسكت وعصير الجميلي ويتناول غدائه عندنا. كان طعامه خاص وهو عبارة عن زبدة وبيض ومربى ولبن رائب فقط ...
وكانت والدته الست عمام الذي سمي باسمها تحضر لزيارتنا وتبقى شهر او أكثر واقل حسب المزاج. وطعامها نفس طعام ولدها لا يتغير وبعض الاحيان تخرج الى السوق وتشتري دجاجة صغيرة ثم تكسر عظامها وتقسمها الى نصفين. الاول تأكله اول يوم والنصف الثاني تضعه في منديل وتعلقه في حبل الغسيل وتأكله في اليوم التالي ... وعندما نذهب في بعض الأحيان الى بغداد لإنجاز اشغال الوالد او الى الطبيب نبقى في بيت السيد خضوري عدة ايام وكان موقع بيتهم على ابو نؤاس وواجهته تطل على الشارع العام ودجلة وهو من اروع المنازل آنذاك ...
وفي بعض الاحيان كان يصادف وقت ذهابنا في عيدهم الذي كانوا يسموه عيد (العرازيل) وهو عبارة عن اكواخ جميلة جدا من ورق الاشجار يعلق فيها الرمان من عناقيده في (العرزوله) وكل شخص في العائلة يحظى بعرزولة وعند الغداء يطبخون الباقية بالسكر وكنت امسك فمي حتى لا اكلها وعند الغروب انا وابنتهم نور التي كانت اكبر مني سناً نقف على دجلة نتفرج ونتحدث. وفي ذاك الزمان هناك ما يسمى بالكُفَّه وهو زورق مدور مطلي بالقار وعندما نصعد فيها كان الخوف يأخذ مني مأخذ وهي تهتز يميناً ويسارآ. نستأجرها بعشر فلوس لتأخذنا الى الجانب الاخر من دجلة وتعيدنا ونرى الشباك وهي تنشر لصيد الاسماك وهذا المنظر كان به من الجمال ما يأخذ العقول والقلوب.
وفي الصيف تتجول العربات الصغيرة لبيع (الكي ستك) اي الايس كريم وتكون ملونه حمراء وصفراء وبيضاء وخضراء وبها عود من الخشب لإمساكها وعند الليل نذهب لسينما أطلس وكانت الافلام تعرض لممثلة شهيرة وقتذاك تدعى (دوريس دي) وهي ممثلة استعراضية ونعود منهكين وكنا ننام فوق السطح وتمر الطائرات من فوقنا وهي تحلق بمستوى منخفض وحين اسمع صوتها اضع اصابعي بأذني خوفا لأنها تمر بكثرة لقرب دار السيد الخضوري من المطار...
وحين اكون مريضة كان اهلي يأخذوني الى طبيب اطفال يدعى عبدالله القصير وهو فعلا قصير القامة من الموصل اشيب الرأس كنت اختبئ تحت عباءة والدتي لأني اخشي زرق الابر وعيادته ارضية واذا لم يكن موجود نذهب لطبيب اخر اسمه عبدالامير علاوي الذي كان يرتدي قميص شَكَري وبنطال جوزي وكان صارماً حاد الطباع وعند فحص اللوزتين يضع اداة كالمقص تسمى (البنس) داخل فمي وانا استمر بالبكاء ولكنه يرمقني بنظرة حادَّة فاصمت من الخوف وعند اكمل اشغالنا نعود الى بعقوبة ليلا مستقلين القطار وعمو خضوري وابنه ناظم وابنته نور يودعونا في المحطة . عندما انظر الى الطائرة من سطح الدار كنت دائما اتمنى ان استقلها واملأها دنانير وذهب وارميها الى الناس. ورحل اليهود وذهبت احلامي التي تراودني حتى الان بين الحين والاخر ...
كانت الست عمام تلبس (سكار بيل) وتضع فوق رأسها شال يظهر كل شعرها الابيض وظهرها مُنحني وكنا نُحبها جداً رغم انها قليلة الكلام وعندما يصادف مجيئها يوم السبت. كانت تذهب الى التوراة في المنجرة (التوراة هو معبد موجود في مدينة بعقوبة)

0 تعليقات
إرسال تعليق